مراجع في مصطلح الحدبث واللغة العربية

كتاب الكبائر_لمحمد بن عثمان الذهبي/تابع الكبائر من... /حياة ابن تيمية العلمية أ. د. عبدالله بن مبارك آل... /التهاب الكلية الخلالي /الالتهاب السحائي عند الكبار والأطفال /صحيح السيرة النبوية{{ما صحّ من سيرة رسول الله صلى ... /كتاب : عيون الأخبار ابن قتيبة الدينوري أقسام ا... /كتاب :البداية والنهاية للامام الحافظ ابي الفداء ا... /أنواع العدوى المنقولة جنسياً ومنها الإيدز والعدوى ... /الالتهاب الرئوي الحاد /اعراض التسمم بالمعادن الرصاص والزرنيخ /المجلد الثالث 3. والرابع 4. [ القاموس المحيط - : م... /المجلد 11 و12.لسان العرب لمحمد بن مكرم بن منظور ال... /موسوعة المعاجم والقواميس - الإصدار الثاني / مجلد{1 و 2}كتاب: الفائق في غريب الحديث والأثر لأبي... /مجلد واحد كتاب: اللطائف في اللغة = معجم أسماء الأش... /مجلد {1 و 2 } كتاب: المحيط في اللغة لإسماعيل بن ... /سيرة الشيخ الألباني رحمه الله وغفر له /اللوكيميا النخاعية الحادة Acute Myeloid Leukemia.... /قائمة /مختصرات الأمراض والاضطرابات / اللقاحات وما تمنعه من أمراض /البواسير ( Hemorrhoids) /علاج الربو بالفصد /دراسة مفصلة لموسوعة أطراف الحديث النبوي للشيخ سع... / مصحف الشمرلي كله /حمل ما تريد من كتب /مكتبة التاريخ و مكتبة الحديث /مكتبة علوم القران و الادب /علاج سرطان البروستات بالاستماتة. /جهاز المناعة و الكيموكين CCL5 .. /السيتوكين" التي يجعل الجسم يهاجم نفسه /المنطقة المشفرة و{قائمة معلمات Y-STR} واختلال الص... /مشروع جينوم الشمبانزي /كتاب 1.: تاج العروس من جواهر القاموس محمّد بن محمّ... /كتاب :2. تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب تاج العروس من جواهر القاموس /كتاب : تاج العروس من جواهر القاموس

الأربعاء، 13 يناير 2021

اختصار لمقدمة ابن الصلاح في علم الحديث لابن كثير / (الباعث الحثيث) اختصار علوم الحديث وكتاب فضائل القران



 

مؤلفاته

من ويكي الموسوعة الحرة/اختصار لمقدمة ابن الصلاح في علم الحديث /(الباعث الحثيث) اختصار علوم الحديث


محتويات
1 مقدمة
2 النوع الأول الصحيح
3 النوع الثاني الحسن
4 النوع الثالث الحديث الضعيف
5 النوع الرابع المسند
6 النوع الخامس المتصل
7 النوع السادس: المرفوع
8 النوع السابع: الموقوف
9 النوع الثامن المقطوع
10 النوع التاسع المرسل
11 النوع العاشر: المنقطع
12 النوع الحادي عشر المعضل
13 النوع الثاني عشر: المدلس
14 النوع الثالث عشر الشاذ
15 النوع الرابع عشر المنكر
16 النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد
17 النوع السادس عشر في الأفراد
18 النوع السابع عشر في زيادة الثقة
19 النوع الثامن عشر المعلل من الحديث
20 النوع التاسع عشر المضطرب
21 النوع العشرون معرفة المدرج
22 النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع المختلق المصنوع
23 النوع الثاني والعشرون المقلوب
24 النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل
25 النوع الرابع والعشرون كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه
26 النوع الخامس والعشرون كتابة الحديث وضبطه وتقييده
27 النوع السادس والعشرون صفة رواية الحديث
28 النوع السابع والعشرون آداب المحدث
29 النوع الثامن والعشرون آداب طالب الحديث
30 النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل
31 النوع الثلاثون معرفة المشهور
32 النوع الحادي والثلاثون معرفة الغريب من العزيز
33 النوع الثاني والثلاثون معرفة غريب ألفاظ الحديث
34 النوع الثالث والثلاثون معرفة المسلسل
35 النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
36 النوع الخامس والثلاثون معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا
37 النوع السادس والثلاثون معرفة مختلف الحديث
38 النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في (متصل) الأسانيد
39 النوع الثامن والثلاثون معرفة الخفي من المراسيل
40 النوع التاسع والثلاثون معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
41 النوع الموفي أربعين معرفة التابعين
42 النوع الحادي والأربعون معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر
43 النوع الثاني والأربعون معرفة المدبج
44 النوع الثالث والأربعون معرفة الإخوة والأخوات من الرواة
45 النوع الرابع والأربعون معرفة رواية الآباء عن الأبناء
46 النوع الخامس والأربعون رواية الأبناء عن الآباء
47 النوع السادس والأربعون معرفة رواية السابق واللاحق
48 النوع السابع والأربعون معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من صحابي وتابعي وغيرهم
49 النوع الثامن والأربعون معرفة من له أسماء متعددة
50 النوع التاسع والأربعون معرفة الأسماء المفردة والكنى التي لا يكون منها في كل حرف سواه
51 النوع الموفي خمسين: معرفة الأسماء والكنى
52 النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية
53 النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب
54 النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب وما أشبه ذلك
55 النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب
56 النوع الخامس والخمسون: نوع يتركب من النوعين قبله
57 النوع السادس والخمسون: في صنف آخر مما تقدم
58 النوع السابع والخمسون معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم
59 النوع الثامن والخمسون في النسب التي على خلاف ظاهرها
60 النوع التاسع والخمسون في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء
61 النوع الموفي الستين معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم
62 النوع الحادي والستون معرفة الثقاة والضعفاء من الرواة وغيرهم
63 النوع الثاني والستون معرفة من اختلط في آخر عمره
64 النوع الثالث والستون معرفة الطبقات
65 النوع الرابع والستون معرفة الموالي من الرواة والعلماء
66 النوع الخامس والستون معرفة أوطان الرواة وبلدانهم
مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم.

قال شيخنا الإمام العلامة، مفتي الإسلام، قدوة العلماء، شيخ المحدثين، الحافظ المفسر، بقية السلف الصالحين، عماد الدين، أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشي الشافعي، إمام أئمة الحديث والتفسير بالشام المحروس، -فسح الله للإسلام والمسلمين في أيامه، وبلغه في الدارين أعلى قصده ومرامه-.

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.

(أما بعد)

فإن علم الحديث النبوي -على قائله أفضل الصلاة والسلام- قد اعتنى بالكلام فيه جماعة من الحفاظ قديما وحديثا، كالحاكم والخطيب، ومن قبلهما من الأئمة ومن بعدهما من حفاظ الأمة.

ولما كان من أهم العلوم وأنفعها أحببت أن أعلق فيه مختصرا نافعا جامعا لمقاصد الفوائد، ومانعا من مشكلات المسائل الفرائد وكان الكتاب الذي اعتنى بتهذيبه الشيخ الإمام العلامة، أبو عمر بن الصلاح -تغمده الله برحمته - من مشاهير المصنفات في ذلك بين الطلبة لهذا الشأن، وربما عني بحفظه بعض المهرة من الشبان سلكت وراءه، واحتذيت حذاءه، واختصرت ما بسطه، ونظمت ما فرطه.

وقد ذكر من أنواع الحديث خمسة وستين، وتبع في ذلك الحاكم أبا عبد الله الحافظ النيسابوري، شيخ المحدثين وأنا -بعون الله- أذكر جميع ذلك، مع ما أضيف إليه من الفوائد الملتقطة من كتاب الحافظ الكبير أبي بكر البيهقي، المسمى (بالمدخل إلى كتاب السنن) وقد اختصرته أيضا بنحو من هذا النمط، من غير وكس ولا شطط، والله المستعان، وعليه الاتكال.

ذكر تعداد أنواع الحديث:

صحيح، حسن، ضعيف، مسند، مرفوع، موقوف، مقطوع، مرسل، منقطع، معضل.

مدلس، شاذ، منكر، ما له شاهد، زيادة الثقة، الأفراد.

المعلل، المضطرب، المدرج، الموضوع، المقلوب.

معرفة من تقبل روايته، معرفة كيفية سماع الحديث وإسماعه، وأنواع التحمل من إجازة وغيرها.

معرفة كتابة الحديث وضبطه، كيفية رواية الحديث وشرط أدائه.

آداب المحدث، آداب الطالب، معرفة العالي والنازل.

المشهور، الغريب، العزيز، غريب الحديث ولغته، المسلسل، ناسخ الحديث ومنسوخه.

المصحف إسنادا ومتنا، مختلف الحديث، المزيد في الأسانيد.

المرسل، معرفة الصحابة، معرفة التابعين، معرفة أكابر الرواة عن الأصاغر.

المدبج ورواية الأقران، معرفة الإخوة والأخوات، رواية الآباء عن الأبناء، عكسه.

من روى عنه اثنان متقدم ومتأخر، من لم يرو عنه إلا واحد.

من له أسماء ونعوت متعددة، المفردات من الأسماء، معرفة الأسماء والكنى، من عرف باسمه دون كنيته.

معرفة الألقاب، المؤتلف والمختلف، المتفق والمفترق، نوع مركب من الذين قبله، نوع آخر من ذلك.

من نسب إلى غير أبيه، الأنساب التي يختلف ظاهرها وباطنها، معرفة المبهمات، تواريخ الوفيات.

معرفة الثقات والضعفاء، من خلط في آخر عمره، الطبقات.

معرفة الموالي من العلماء والرواة، معرفة بلدانهم وأوطانهم.

وهذا تنويع من الشيخ أبي عمرو وترتيبه -رحمه الله-، قال: وليس بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى، إذ لا تنحصر أحوال الرواة وصفاتهم، وأحوال متون الحديث وصفاتها.

(قلت): وفي هذا كله نظر، بل في بسطه هذه الأنواع إلى هذا العدد نظر إذ يمكن إدماج بعضها في بعض، وكان أليق مما ذكره ثم إنه فرق بين متماثلات منها بعضها عن بعض، وكان اللائق ذكر كل نوع إلى جانب ما يناسبه.

ونحن نرتب ما نذكره على ما هو الأنسب، وربما أدمجنا بعضها في بعض، طلبا للاختصار والمناسبة وننبه على مناقشات لا بد منها، إن شاء الله تعالى.
النوع الأول الصحيح

تقسيم الحديث إلى أنواعه صحة وضعفا

قال: اعلم -علمك الله وإياي- أن الحديث عند أهله ينقسم إلى: صحيح وحسن وضعيف.

(قلت) هذا التقسيم إن كان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر، فليس إلا صحيح أو ضعيف، وإن كان بالنسبة إلى اصطلاح المحدثين، فالحديث ينقسم عندهم إلى أكثر من ذلك، كما قد ذكره آنفا هو وغيره أيضا.

تعريف الحديث الصحيح.

قال: أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا.

ثم أخذ يبين فوائده، وما احترز بها عن المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ، وما فيه علة قادحة [1] وما في راويه من نوع جرح.

قال: وهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة، بلا خلاف بين أهل الحديث وقد يختلفون في بعض الأحاديث، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف، أو في اشتراط بعضها، كما في المرسل.

(قلت) فحاصل حد الصحيح أنه المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذا، ولا مردودا، ولا معللا بعلة قادحة، وقد يكون مشهورا أو غريبا.

وهو متفاوت في نظر الحفاظ في محاله، ولهذا أطلق بعضهم أصح الأسانيد على بعضها فعن أحمد وإسحاق أصحها الزهري عن سالم عن أبيه وقال علي بن المديني والفلاس أصحها محمد بن سيرين عن عبيدة عن علي وعن يحيى بن معين أصحها الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود وعن البخاري مالك عن نافع عن ابن عمر وزاد بعضهم الشافعي عن مالك، إذ هو أجل من روي عنه.

أول من جمع صحاح الحديث

(فائدة) أول من اعتنى بجمع الصحيح أبو عبيدة محمد بن إسماعيل البخاري، وتلاه صاحبه وتلميذه أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري فهما أصح كتب الحديث والبخاري أرجح؛ لأنه اشترط في إخراجه الحديث في كتابه هذا أن يكون الراوي قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه، ولم يشترط مسلم الثاني، بل اكتفى بمجرد المعاصرة ومن هاهنا ينفصل لك النزاع في ترجيح تصحيح البخاري على مسلم، كما هو قول الجمهور، خلافا لأبي علي النيسابوري شيخ الحاكم، وطائفة من علماء المغرب.

ثم إن البخاري ومسلما لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده، بل في السنن وغيرها.

عدد ما في الصحيحين من الحديث

قال ابن الصلاح: فجميع ما في البخاري، بالمكرر سبعة آلاف حديث ومائتان وخمسة وسبعون حديثا وبغير المكرر أربعة آلاف وجميع ما في صحيح مسلم بلا تكرار نحو أربعة آلاف.

الزيادات على الصحيحين

وقد قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم: قل ما يفوت البخاري ومسلما من الأحاديث الصحيحة.

وقد ناقشه ابن الصلاح في ذلك، فإن الحاكم قد استدرك عليهما أحاديث كثيرة، وإن كان في بعضها مقال، إلا أنه يصفو له شيء كثير.

(قلت) في هذا نظر، فإنه يلزمهما بإخراج أحاديث لا تلزمهما، لضعف رواتهما عندهما، أو لتعليلهما ذلك والله أعلم.

وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين، يؤخذ منها زيادات مفيدة، وأسانيد جيدة، كصحيح أبي عوانة، وأبي بكر الإسماعيلي [2]والبرقاني، وأبي نعيم الأصبهاني وغيرهم وكتب أخر التزم أصحابها صحتها، كابن خزيمة، وابن حبان البستي، وهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونا.

وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير مما يوازي كثيرا من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضا، وليست عندهما، ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، ومسندي أبي يعلى والبزار، وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه، بعد النظر في حال رجاله، وسلامته من التعليل المفسد [3] ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النووي، وخلافا للشيخ أبي عمرو.

وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابا سماه (المختارة) ولم يتم، كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم والله أعلم.

وقد جمع الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح على الحاكم في مستدركه فقال وهو واسع الخطو في شرح الصحيح، متساهل بالقضاء به، فالأولى أن يتوسط في أمره، فما لم نجد فيه تصحيحا لغيره من الأئمة،، فإن لم يكن صحيحا، فهو حسن يحتج به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه.[4]

(قلت) في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة، فيه الصحيح المستدرك، وهو قليل، وفيه صحيح قد خرجه البخاري ومسلم أو أحدهما، لم يعلم به الحاكم وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضا وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي، وبين هذا كله، وجمع فيه جزءا كبيرا مما وقع فيه من الموضوعات، وذلك يقارب مائة حديث والله أعلم .[5]

مسائل تتعلق بالحديث الصحيح

موطأ مالك

(تنبيه) قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله-: "لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك"، إنما قاله قبل البخاري ومسلم وقد كانت كتب كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن، لابن جريح، وابن إسحاق -غير السيرة- ولأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرازق بن همام، وغير ذلك.

وكان كتاب مالك، وهو الموطأ، أجلها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجما منه وأكثر أحاديث وقد طلب المنصور من الإمام مالك أن يجمع الناس على كتابه، فلم يجبه إلى ذلك وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال "إن الناس قد جمعوا واطلعوا على أشياء لم نطلع عليها".

وقد اعتنى الناس بكتابه الموطأ وعلقوا عليه كتبا جمة ومن أجود ذلك كتابا (التمهيد)، و(الاستذكار)، للشيخ أبي عمر ابن عبد البر النمري القرطبي، -رحمه الله- هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة والمرسلة والمنقطعة، والبلاغات اللاتي لا تكاد توجد مسندة إلا على ندور.

إطلاق اسم "الصحيح" على الترمذي والنسائي

وكان الحاكم أبو عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي "الجامع الصحيح" وهذا تساهل منهما فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة وقول الحافظ أبي علي بن السكن، وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي إنه صحيح، فيه نظر وإن له شرطا في الرجال أشد من شرط مسلم غير مسلم، فإن فيه رجالا مجهولين إما عينا أو حالا، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في الأحكام الكبير.

مسند الإمام أحمد

وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد: إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة، بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث الأحمر عند حمص، وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ.

ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا -مع أنه لا يوازيه مسند في كثرته وحسن سياقته- أحاديث كثيرة جدا، بل قد قيل إنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين.

(الكتب الخمسة وغيرها)

وهكذا قول الحافظ أبي طاهر السلفي في الأصول الخمسة، يعني البخاري ومسلما وسنن أبي داود والترمذي والنسائي إنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب تساهل منه وقد أنكره ابن الصلاح وغيره قال ابن الصلاح وهي ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد كمسند عبد بن حميد، والدارمي، وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى، والبزار، وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان، وإسحاق بن راهويه، وعبيد الله بن موسى، وغيرهم؛ لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه.

التعليقات التي في الصحيحين

وتكلم الشيخ أبو عمرو على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري، وفي مسلم أيضا، لكنها قليلة، قيل إنها أربعة عشر موضوعا.

وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عنه، ثم النظر فيما بعد ذلك وما كان منها بصيغة التمريض [6] فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضا؛ لأنه وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم.

وما كان من التعليقات صحيحا فليس من نمط الصحيح المسند فيه، لأنه قد وسم كتابه (بالجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه).

فأما إذا قال البخاري "قال لنا" أو "قال لي فلان كذا"، أو "زادني" ونحو ذلك، فهو متصل عند الأكثر.

وحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق أيضا، يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة.

وقد ردها ابن الصلاح، فإن الحافظ أبا جعفر بن حمدان قال: إذا قال البخاري "وقال لي فلان" فهو مما سمعه عرضا ومناولة.

وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي حيث قال فيه البخاري "وقال هشام بن عمار" وقال أخطأ ابن حزم من وجوه، فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار.

(قلت) وقد رواه أحمد في مسنده، وأبو داود في سننه وخرجه البرقاني في صحيحه، وغير واحد، مسندا متصلا إلى هشام بن عمار وشيخه أيضا، كما بيناه في كتاب الأحكام، ولله الحمد.

ثم حكى أن الأئمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ، كالدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة عن الخطأ، فما ظنت صحته ووجب عليها العمل به، لا بد وأن يكون صحيحا في نفس الأمر وهذا جيد.

وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محيي الدين النووي، وقال لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك.

(قلت) وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه والله أعلم "حاشية" ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية، مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة منهم القاضي عبد الوهاب المالكي، والشيخ أبو حامد الإسفراييني والقاضي أبو الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغوني، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسي من الحنفية قال "وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم كأبي إسحاق الإسفراييني، وابن فورك قال وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة".

وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطا فوافق فيه هؤلاء الأئمة.
النوع الثاني الحسن

وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور

وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر، لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة وذلك؛ لأنه نسبي، شيء ينقدح عنه الحافظ، ربما تقصر عبارته عنه.

وقد تجشم كثير منهم حده فقال الخطابي هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء.

(قلت) فإن كان المعرف هو قوله "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، فالحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف وإن كان بقية الكلام من تمام الحد، فليس هذا الذي ذكره مسلما له أن أكثر الحديث من قبيل الحسان، ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.

تعريف الترمذي للحديث الحسن

قال ابن الصلاح: وروينا عن الترمذي أنه يريد بالحسن أن يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون حديثا شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك.

وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله، ففي أي كتاب له قاله؟ وأين إسناده عنه؟ وإن كان قد فهم من اصطلاحه في كتابه "الجامع" فليس ذلك بصحيح، فإنه يقول في كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

(تعريفات أخرى للحسن)

قال الشيخ عمرو بن الصلاح -رحمه الله-: وقال بعض المتأخرين الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل، هو الحديث الحسن، ويصلح للعمل به.

ثم قال الشيخ: وكل هذا مستبهم لا يشفي الغليل، وليس فيما ذكره الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن عن الصحيح، وقد أمعنت النظر في ذلك والبحث، فتنقح لي واتضح أن الحديث الحسن قسمان:

(أحدهما) الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تتحقق أهليته، غير أنه ليس مغفلا كثير الخطأ، ولا هو متهم بالكذب، ويكون متن الحديث قد روي مثله أو نحوه من وجه آخر، فيخرج بذلك عن كونه شاذا أو منكرا ثم قال وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل.

(قلت) لا يمكن تنزيله لما ذكرناه عنه والله أعلم.

قال (القسم الثاني) أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة ولم يبلغ درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان، ولا يعد ما ينفرد به منكرا، ولا يكون المتن شاذا ولا معللا قال وعلى هذا يتنزل كلام الخطابي، قال والذي ذكرناه يجمع بين كلاميهما.

قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة كحديث » الأذنان من الرأس « أن يكون حسنا؛ لأن الضعف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه تابعا أو متبوعا، كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيئ الحفظ، أو روى الحديث مرسلا، فإن المتابعة تنفع حينئذ، ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحسن أو الصحة والله أعلم.

(الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن)

قال وكتاب الترمذي أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوه بذكره، ويوجد في كلام غيره من مشايخه، كأحمد، والبخاري، وكذا من بعده، كالدارقطني.

(أبو داود من مظان الحديث الحسن)

قال: ومن مظانه سنن أبي داود، روينا عنه أنه قال: ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض قال: وروي عنه أنه يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه.

(قلت) ويروى عنه أنه قال: وما سكت عنه هو حسن.

قال ابن الصلاح: فما وجدناه في كتابه مذكورا مطلقا وليس في واحد من الصحيحين، ولا نص على صحته أحد، فهو حسن عند أبي داود.

(قلت) الروايات عن أبي داود بكتابه السنن كثيرة جدا، ويوجد في بعضها من الكلام، بل والأحاديث، ما ليس في الأخرى ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل، كتاب مفيد ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه فقوله وما سكت عليه فهو حسن، ما سكت عليه في سننه فقط؟ أو مطلقا؟ هذا مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له.

كتاب المصابيح للبغوي

قال: وما يذكره البغوي في كتابه المصابيح من أن الصحيح ما أخرجاه أو أحدهما، وأن الحسن ما رواه أبو داود والترمذي وأشباههما، فهو اصطلاح خاص، لا يعرف إلا له وقد أنكر عليه النووي ذلك لما في بعضهما من الأحاديث المنكرة.

صحة الإسناد لا يلزم منها صحة الحديث

قال: والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن، إذ قد يكون شاذا أو معللا.

قول الترمذي حسن صحيح

قال: وأما قول الترمذي "هذا حسن صحيح" فمشكل؛ لأن الجمع بينهما في حديث واحد كالمتعذر، فمنهم من قال ذلك باعتبار إسنادين حسن وصحيح.

(قلت) وهذا يرده أنه يقول في بعض الأحاديث "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه".

ومنهم من يقول: هو حسن باعتبار المتن، صحيح باعتبار الإسناد وفي هذا نظر أيضا، فإنه يقول ذلك في أحاديث مروية في صفة جهنم، وفي الحدود والقصاص، ونحو ذلك.

والذي يظهر لي أنه يشرب الحكم بالصحة على الحديث كما يشرب الحسن بالصحة فعلى هذا يكون ما يقول فيه "حسن صحيح" أعلى رتبة عنده من الحسن، ودون الصحيح، ويكون حكمه على الحديث بالصحة المحضة أقوى من حكمه عليه بالصحة مع الحسن والله أعلم.
النوع الثالث الحديث الضعيف

قال: وهو ما لم يجتمع فيه صفات الصحيح، ولا صفات الحسن المذكورة كما تقدم.

ثم تكلم على تعداده وتنوعه باعتبار فقده واحدة من صفات الصحة أو أكثر، أو جميعها.

فينقسم جنسه إلى: الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمعلل، والمضطرب، والمرسل، والمنقطع، والمعضل، وغير ذلك.
النوع الرابع المسند

قال الحاكم: هو ما اتصل إسناده إلى رسول الله ﷺ.

وقال الخطيب: هو ما اتصل إلى منتهاه.

وحكى ابن عبد البر أنه المروي عن رسول الله ﷺ سواء كان متصلا أو منقطعا.

فهذه أقوال ثلاثة.
النوع الخامس المتصل

ويقال له "الموصول" أيضا، وهو ينفي الإرسال والانقطاع، ويشمل المرفوع إلى النبي ﷺ والموقوف على الصحابي أو من دونه.
النوع السادس: المرفوع

هو ما أضيف إلى النبي ﷺ قولا أو فعلا عنه، وسواء كان متصلا أو منقطعا أو مرسلا، ونفى الخطيب أن يكون مرسلا فقال هو ما أخبر فيه الصحابي عن رسول الله ﷺ.
النوع السابع: الموقوف

ومطلقه يختص بالصحابي، ولا يستعمل فيمن دونه إلا مقيدا وقد يكون إسناده متصلا وغير متصل، وهو الذي يسميه كثير من الفقهاء والمحدثين أيضا أثرا وعزاه ابن الصلاح إلى الخراسانيين أنهم يسمون الموقوف أثرا.

(قال) وبلغنا عن أبي القاسم الفوراني أنه قال: الخبر ما كان عن رسول الله ﷺ والأثر ما كان عن الصحابي.

(قلت) ومن هذا يسمي كثير من العلماء الكتاب الجامع لهذا وهذا بالسنن والآثار ككتابي السنن والآثار للطحاوي، والبيهقي وغيرهما والله أعلم.
النوع الثامن المقطوع

وهو الموقوف على التابعين قولا وفعلا، وهو غير المنقطع وقد وقع في عبارة الشافعي والطبراني إطلاق "المقطوع" على منقطع الإسناد غير الموصول.

وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على قول الصحابي "كنا نفعل"، أو "نقول كذا"، إن لم يضفه إلى زمان النبي ﷺ فقال: أبو بكر البرقاني عن شيخه أبي بكر الإسماعيلي إنه من قبيل الموقوف وحكم النيسابوري برفعه؛ لأنه يدل على التقرير، ورجحه ابن الصلاح.

قال: ومن هذا القبيل قول الصحابي "كنا لا نرى بأسا بكذا"، أو "كانوا يفعلون أو يقولون"، أو "يقال كذا في عهد رسول الله ﷺ" إنه من قبيل المرفوع.

وقول الصحابي "أمرنا بكذا" أو "نهينا عن كذا" مرفوع مسند عند أصحاب الحديث وهو قول أكثر أهل العلم وخالف في ذلك فريق، منهم أبو بكر الإسماعيلي وكذا الكلام على قوله "من السنة كذا"، وقول أنس "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".

قال وما قيل من تفسير الصحابي في حكم المرفوع، فإنما ذلك فيما كان سبب نزول، أو نحو ذلك.

أما إذا قال الراوي عن الصحابي "يرفع الحديث" أو "ينميه" أو "يبلغ به النبي ﷺ"، فهو عند أهل الحديث من قبيل المرفوع الصريح في الرفع والله أعلم.
النوع التاسع المرسل

قال ابن الصلاح: وصورته التي لا خلاف فيها حديث التابعي الكبير الذي قد أدرك جماعة من الصحابة وجالسهم، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، ثم سعيد بن المسيب، وأمثالهما، إذا قال: "قال رسول الله ﷺ".

والمشهور التسوية بين التابعين أجمعين في ذلك وحكى ابن عبد البر عن بعضهم أنه لا يعد إرسال صغار التابعين مرسلا.

ثم إن الحاكم يخص المرسل بالتابعين والجمهور من الفقهاء والأصوليين يعممون التابعين وغيرهم.

(قلت) قال أبو عمرو بن الحاجب في مختصره في أصول الفقه: المرسل قول غير الصحابي "قال رسول الله ﷺ".

هذا ما يتعلق بتصويره عند المحدثين.

وأما كونه حجة في الدين، فذلك يتعلق بعلم الأصول، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا "المقدمات".

وقد ذكر مسلم في مقدمة كتابه "أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة" وكذا حكاه ابن عبد البر عن جماعة أصحاب الحديث.

وقال ابن الصلاح: وما ذكرناه من سقوط الاحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو الذي استقر عليه آراء جماعة حفاظ الحديث ونقاد الأثر، وتداولوه في تصانيفهم.

قال: والاحتجاج به مذهب مالك وأبي حنيفة وأصحابهما في طائفة والله أعلم.

(قلت) وهو محكي عن الإمام أحمد بن حنبل، في رواية.

وأما الشافعي فنص على أن مرسلات سعيد بن المسيب حسان، قالوا لأنه تتبعها فوجدها مسندة والله أعلم.

والذي عول عليه كلامه في الرسالة "أن مراسيل كبار التابعين حجة إن جاءت من وجه آخر، ولو مرسلة، أو اعتضدت بقول صحابي أو أكثر العلماء، أو كان المرسل لو سمى لا يسمي إلا ثقة، فحينئذ يكون مرسله حجة، ولا ينتهض إلى رتبة المتصل".

قال الشافعي وأما مراسيل غير كبار التابعين فلا أعلم أحدا قبلها.

قال ابن الصلاح وأما مراسيل الصحابة كابن عباس وأمثاله، ففي حكم الموصول؛ لأنهم إنما يروون عن الصحابة، وكلهم عدول، فجهالتهم لا تضر والله أعلم.

(قلت) وقد حكى بعضهم الإجماع على قبول مراسيل الصحابة وذكر ابن الأثير وغيره في ذلك خلافا ويحكى هذا المذهب عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، لاحتمال تلقيهم عن بعض التابعين .[7]

وقد وقع رواية الأكابر عن الأصاغر، والآباء عن الأبناء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

"تنبيه" والحافظ البيهقي في كتابه السنن الكبير وغيره يسمي ما رواه التابعي عن رجل من الصحابة "مرسلا" فإن كان يذهب مع هذا إلى أنه ليس بحجة فيلزمه أن يكون مرسل الصحابة أيضا ليس بحجة والله أعلم.
النوع العاشر: المنقطع

قال ابن الصلاح: وفيه وفي الفرق بينه وبين المرسل مذاهب.

(قلت) فمنهم من قال: هو أن يسقط من الإسناد رجل، أو يذكر فيه رجل مبهم.

ومثل ابن الصلاح للأول بما رواه عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع عن حذيفة مرفوعا « إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين » الحديث. قال: ففيه انقطاع في موضعين أحدهما: أن عبد الرزاق لم يسمعه من الثوري، إنما رواه عن النعمان بن أبي شيبة الجندي عنه والثاني: أن الثوري لم يسمعه من أبي إسحاق، إنما رواه عن شريك عنه.

ومثل الثاني: بما رواه أبو العلاء بن عبد الله بن الشخير عن رجلين عن شداد بن أوس، حديث "اللهم إني أسألك الثبات في الأمر".

ومنهم من قال: المنقطع مثل المرسل، وهو كل ما لا يتصل إسناده، غير أن المرسل أكثر ما يطلق على ما رواه التابعي عن رسول الله ﷺ.

قال ابن الصلاح: وهذا أقرب، وهو الذي صار إليه طوائف من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب البغدادي في كفايته.

قال: وحكى الخطيب عن بعضهم أن المنقطع ما روي عن التابعي فمن دونه، موقوفا عليه من قوله أو فعله وهذا بعيد غريب، والله أعلم.
النوع الحادي عشر المعضل

وهو ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، ومنه ما يرسله تابع التابعي قال ابن الصلاح ومنه قول المصنفين من الفقهاء "قال رسول الله ﷺ" وقد سماه الخطيب في بعض مصنفاته "مرسلا" وذلك على مذهب من يسمي كل ما لا يتصل إسناده "مرسلا".

قال ابن الصلاح وقد روى الأعمش عن الشعبي قال « ويقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا؛ فيقول لا، فيختم على فيه » الحديث قال فقد أعضله الأعمش؛ لأن الشعبي يرويه عن أنس عن النبي ﷺ قال فقد أسقط منه الأعمش أنسا والنبي ﷺ فتناسب أن يسمى معضلا.

قال: وقد حاول بعضهم أن يطلق على الإسناد المعنعن اسم "الإرسال" أو "الانقطاع".

قال: والصحيح الذي عليه العمل أنه متصل محمول على السماع، إذا تعاصروا، مع البراءة من وصمة التدليس.

وقد ادعى الشيخ أبو عمرو الداني المقرئ إجماع أهل النقل على ذلك، وكاد ابن عبد البر أن يدعي ذلك أيضا. [8]

(قلت) وهذا هو الذي اعتمده مسلم في صحيحه وشنع في خطبته على من يشترط مع المعاصرة اللقي، حتى قيل إنه يريد البخاري، والظاهر أنه يريد علي بن المديني، فإنه يشترط ذلك في أصل صحة الحديث، وأما البخاري فإنه لا يشترطه في أصل الصحة، ولكن التزم ذلك في كتابه "الصحيح" وقد اشترط أبو المظفر السمعاني مع اللقاء طول الصحابة وقال أبو عمرو الداني إن كان معروفا بالرواية عنه قبلت العنعنة وقال القابسي إن أدركه إدراكا بينا.

وقد اختلف الأئمة فيما إذا قال الراوي "إن فلانا قال" هل هو مثل قوله "عن فلان"، فيكون محمولا على الاتصال، حتى يثبت خلافه؟ أو يكون قوله "إن فلانا قال" دون قوله "عن فلان"؟ كما فرق بينهما أحمد بن حنبل ويعقوب بن أبي شيبة وأبو بكر البرديجي، فجعلوا "عن" صيغة اتصال، وقوله "إن فلانا قال كذا" في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه وذهب الجمهور إلى أنهما سواء في كونهما متصلين، قاله ابن عبد البر وممن نص على ذلك مالك بن أنس.

وقد حكى ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي، سواء فيه أن يقول "عن رسول الله ﷺ"، أو "قال رسول الله ﷺ" أو "سمعت رسول الله ﷺ".

وبحث الشيخ أبو عمرو هاهنا فيما إذا أسند الراوي ما أرسله غيره، فمنهم من قدح في عدالته بسبب ذلك، إذا كان المخالف له أحفظ منه أو أكثر عددا، ومنهم من رجح بالكثرة أو الحفظ، ومنهم من قبل المسند مطلقا، إذا كان عدلا ضابطا وصححه الخطيب وابن الصلاح، وعزاه إلى الفقهاء والأصوليين، وحكي عن البخاري أنه قال: الزيادة من الثقة مقبولة.
النوع الثاني عشر: المدلس

والتدليس قسمان:

أحدهما: أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، موهما أنه سمعه منه.

ومن الأول قول ابن خشرم: كنا عند سفيان بن عيينة، فقال: "قال الزهري كذا" فقيل له: أسمعت منه هذا؟ قال: "حدثني به عبد الرزاق عن معمر عنه".

وقد كره هذا القسم من التدليس جماعة من العلماء وذموه وكان شعبة أشد الناس إنكارا لذلك، ويروى عنه أنه قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس.

قال ابن الصلاح: وهذا محمول على المبالغة والزجر.

وقال الشافعي: التدليس أخو الكذب.

ومن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، كما قد نص عليه الشافعي -رحمه الله-.

قال ابن الصلاح: والصحيح التفصيل بين ما صرح فيه بالسماع، فيقبل، وبين ما أتي فيه بلفظ محتمل، فيرد.

قال: وفي الصحيحين من حديث جماعة من هذا الضرب، كالسفيانين والأعمش وقتادة وهشيم وغيرهم.

(قلت) وغاية التدليس أنه نوع من الإرسال لما ثبت عنده، وهو يخشى أن يصرح بشيخه فيرد من أجله، والله أعلم.

وأما القسم الثاني من التدليس فهو الإتيان باسم الشيخ أو كنيته على خلاف المشهور به، تعمية لأمره، وتوعيرا للوقوف على حاله، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد، فتارة يكره، كما إذا كان أصغر سنا منه، أو نازل الرواية، ونحو ذلك، وتارة يحرم، كما إذا كان غير ثقة فدلسه لئلا يعرف حاله، أو أوهم أنه رجل آخر من الثقات على وفق اسمه أو كنيته.

وقد روى أبو بكر بن مجاهد المقرئ عن أبيه أبي بكر بن أبي داود فقال "حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله"، وعن أبي بكر محمد بن حسن النقاش المفسر فقال "حدثنا محمد بن سند" نسبه إلى جد له والله أعلم.[9]

قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وقد كان الخطيب لهج بهذا القسم في مصنفاته.
النوع الثالث عشر الشاذ

قال الشافعي: وهو أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس، وليس من ذلك أن يروي ما لم يرو غيره.

وقد حكاه الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني عن جماعة من الحجازيين أيضا.

قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة.

وقال الحاكم النيسابوري: هو الذي ينفرد به الثقة، وليس له متابع، قال ابن الصلاح: ويشكل على هذا حديث « الأعمال بالنيات » فإنه تفرد به عمر، وعنه علقمة، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري.

(قلت) ثم تواتر عن يحيى بن سعيد هذا، فيقال إنه رواه عنه نحو من مائتين، وقيل أزيد من ذلك، وقد ذكر له ابن منده متابعات غرائب، ولا تصح، كما بسطناه في مسند عمر، وفي الأحكام الكبير.

قال: وكذلك حديث عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الولاء وعن هبته".

وتفرد مالك عن الزهري عن أنس « أن رسول الله ﷺ دخل مكة، وعلى رأسه المغفر. »

وكل من هذه الأحاديث الثلاثة في الصحيحين من هذه الوجوه المذكورة فقط.

وقد قال مسلم للزهري: تسعون حرفا لا يرويها غيره.

وهذا الذي قاله مسلم عن الزهري، من تفرده بأشياء لا يرويها غيره يشاركه في نظيرها جماعة من الرواة.

فإذن الذي قاله الشافعي أولا هو الصواب أنه إذا روى الثقة شيئا قد خالفه فيه الناس فهو الشاذ، يعني المردود، وليس من ذلك أن يروي الثقة ما لم يرو غيره، بل هو مقبول إذا كان عدلا ضابطا حافظا.

فإن هذا لو رد لردت أحاديث كثيرة من هذا النمط، وتعطلت كثير من المسائل عن الدلائل والله أعلم.

وأما إن كان المنفرد به غير حافظ، وهو مع ذلك عدل ضابط فحديثه حسن فإن فقد ذلك فمردود والله أعلم.
النوع الرابع عشر المنكر

وهو كالشاذ إن خالف راويه الثقات فمنكر مردود، وكذا إن لم يكن عدلا ضابطا، وإن لم يخالف، فمنكر مردود.

وأما إن كان الذي تفرد به عدل ضابط حافظ قبل شرعا، ولا يقال له "منكر"، وإن قيل له ذلك لغة.
النوع الخامس عشر في الاعتبارات والمتابعات والشواهد

مثاله:

أن يرويه حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ حديثا، فإن رواه غير حماد عن أيوب أو غير أيوب عن محمد أو غير محمد عن أبي هريرة، أو غير أبي هريرة عن النبي ﷺ فهذه متابعات.

فإن ما روي معناه من طريق أخرى عن صحابي آخر سمي شاهدا لمعناه.

وإن لم يرو بمعناه حديث آخر فهو فرد من الأفراد.

ويغتفر في باب " الشواهد والمتابعات " من الرواية عن الضعيف القريب الضعف ما لا يغتفر في الأصول، كما يقع في الصحيحين وغيرهما مثل ذلك ولهذا يقول الدارقطني في بعض الضعفاء "يصلح للاعتبار"، أو "لا يصلح أن يعتبر به" والله أعلم.
النوع السادس عشر في الأفراد

وهو أقسام تارة ينفرد به الراوي عن شيخه، كما تقدم، أو ينفرد به أهل قطر، كما يقال "تفرد به أهل الشام" أو "العراق" أو "الحجاز" أو نحو ذلك وقد يتفرد به واحد منهم، فيجتمع فيه الوصفان والله أعلم.

وللحافظ الدارقطني كتاب في الأفراد في مائة جزء، ولم يسبق إلى نظيره وقد جمعه الحافظ محمد بن طاهر في أطراف رتبه فيها.
النوع السابع عشر في زيادة الثقة

إذا تفرد الراوي بزيادة في الحديث عن بقية الرواة عن شيخ لهم، وهذا الذي يعبر عنه بزيادة الثقة، فهل هي مقبولة أم لا؟ فيه خلاف مشهور فحكى الخطيب عن أكثر الفقهاء قبولها، وردها أكثر المحدثين.

ومن الناس من قال إن اتحد مجلس السماع لم تقبل، وإن تعدد قبلت. ومنهم من قال تقبل الزيادة إذا كانت من غير الراوي، بخلاف ما إذا نشط فرواها تارة وأسقطها أخرى.

ومنهم من قال إن كانت مخالفة في الحكم لما رواه الباقون لم تقبل، وإلا قبلت، كما لو تفرد بالحديث كله، فإنه يقبل تفرده به إذا كان ثقة ضابطا أو حافظا وقد حكى الخطيب على ذلك الإجماع، وقد مثل الشيخ أبو عمرو زيادة الثقة بحديث مالك عن نافع عن ابن عمر: « أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين »فقوله "من المسلمين" من زيادات مالك عن نافع وقد زعم الترمذي أن مالكا تفرد بها، وسكت أبو عمرو على ذلك ولم يتفرد بها مالك فقد رواها مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع، كما رواها مالك، وكذا رواها البخاري وأبو داود والنسائي من طريق عمر بن نافع عن أبيه، كمالك.

قال ومن أمثلة ذلك حديث « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » تفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي بزيادة "وتربتها طهورا" عن ربعي بن حراش عن حذيفة عن النبي ﷺ، رواه مسلم وابن خزيمة وأبو عوانة الإسفراييني في صحاحهم من حديثه. وذكر أن الخلاف في الوصل والإرسال، كالخلاف في قبول الزيادة الثقة
النوع الثامن عشر المعلل من الحديث

وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.

وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والزيوف، والدنانير والفلوس فكما لا يتمارى هذا، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقتهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول ﷺ التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس.

فمن الأحاديث المروية ما عليه أنوار النبوة، ومنها ما وقع فيه تغيير لفظ أو زيادة باطلة أو مجازفة أو نحو ذلك، يدركها البصير من أهل هذه الصناعة.

وقد يكون التعليل مستفادا من الإسناد، وبسط أمثلة ذلك يطول جدا، وإنما يظهر بالعمل.

ومن أحسن كتاب وضع في ذلك وأجله وأفحله (كتاب العلل) لعلي بن المديني شيخ البخاري وسائر المحدثين بعده، في هذا الشأن. على الخصوص وكذلك (كتاب العلل) لعبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو مرتب على أبواب الفقه، و (كتاب العلل) للخلال ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد.

وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل كتاب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي (بعده)، فرحمه الله وأكرم مثواه، ولكن يعوزه شيء لا بد منه، وهو أن يرتب على الأبواب، ليقرب تناوله للطلاب، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبين على حروف المعجم، ليسهل الأخذ منه، فإنه مبدد جدا، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة والله الموفق
النوع التاسع عشر المضطرب

وهو أن يختلف الرواة فيه على شيخ بعينه، أو من وجوه أخر متعادلة لا يترجح بعضها على بعض وقد يكون تارة في الإسناد، وقد يكون في المتن وله أمثلة كثيرة يطول ذكرها والله أعلم.[10]
النوع العشرون معرفة المدرج

وهو أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فيحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك وقد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحسان والمسانيد وغيرها وقد لا يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة.

وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتابا حافلا سماه (فصل الوصل، لما أدرج في النقل) وهو مفيد جدا

وهو أن تزاد لفظة في متن الحديث من كلام الراوي، فيحسبها من يسمعها مرفوعة في الحديث، فيرويها كذلك وقد وقع من ذلك كثير في الصحاح والحسان والمسانيد وغيرها وقد لا يقع الإدراج في الإسناد، ولذلك أمثلة كثيرة.

وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب في ذلك كتابا حافلا سماه (فصل الوصل، لما أدرج في النقل) وهو مفيد جدا.
النوع الحادي والعشرون معرفة الموضوع المختلق المصنوع

وعلى ذلك شواهد كثيرة منها إقرار وضعه على نفسه، قالا أو حالا، ومن ذلك ركاكة ألفاظه، وفساد معناه، أو مجازفة فاحشة، أو مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة فلا تجوز روايته لأحد من الناس، إلا على سبيل القدح فيه، ليحذره من يغتر به من الجهلة والعوام والرعاع.

والواضعون أقسام كثيرة

منهم زنادقة ومنهم متعبدون يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يضعون أحاديث فيها ترغيب وترهيب، وفي فضائل الأعمال، ليعمل بها. وهؤلاء طائفة من الكرامية وغيرهم، وهم من أشر من فعل هذا لما يحصل بضررهم من الغرور على كثير ممن يعتقد صلاحهم، فيظن صدقهم، وهم شر من كل كذاب في هذا الباب.

وقد انتقد الأئمة كل شيء فعلوه من ذلك، وسطروه عليهم في زبرهم، عارا على واضعي ذلك في الدنيا، ونارا وشنارا في الآخرة قال رسول الله ﷺ « من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » وهذا متواتر عنه.

قال بعض هؤلاء الجهلة نحن ما كذبنا عليه، إنما كذبنا له! وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم، فإنه -عليه الصلاة والسلام- لا يحتاج في كمال شريعته وفضلها إلى غيره.

وقد صنف الشيخ أبو الفرج بن الجوزي كتابا حافلا في الموضوعات، غير أنه أدخل فيه ما ليس منه، وخرج عنه ما كان يلزمه ذكره، فسقط عليه ولم يهتد إليه. وقد حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع بالكلية، وهذا القائل إما أنه لا وجود له أصلا، أو أنه في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية.

وقد حاول بعضهم الرد عليه، بأنه قد ورد في الحديث أنه عليه السلام قال « "سيكذب علي" » فإن كان هذا الخبر صحيحا، فسيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذبا فقد حصل المقصود فأجيب عن الأول بأنه لا يلزم وقوعه إلى الآن؛ إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر.

وهذا القول والاستدلال عليه والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث وحفاظهم، الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من المكذوبات، خشية أن تروج عليهم، أو على أحد من الناس، رحمهم الله ورضي عنهم-.
النوع الثاني والعشرون المقلوب

وقد يكون في الإسناد كله أو بعضه

فالأول: كما ركب مهرة محدثي بغداد للبخاري، حين قدم عليهم، إسناد هذا الحديث على متن آخر، وركبوا متن هذا الحديث على إسناد آخر، وقلبوا عليه ما هو من حديث سالم عن نافع، وما هو من حديث نافع عن سالم، وهو من القبيل الثاني وصنعوا ذلك في نحو مائة حديث أو أزيد، فلما قرأها رد كل حديث إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، ولم يرج عليه موضع واحد مما قلبوه وركبوه، فعظم عندهم جدا، وعرفوا منزلته من هذا الشأن، -فرحمه الله وأدخله الجنان-.

وقد نبه الشيخ أبو عمرو ههنا على أنه لا يلزم من الحكم بضعف سند الحديث المعين الحكم بضعفه في نفسه؛ إذ قد يكون له إسناد آخر، إلا أن ينص إمام على أنه لا يروى إلا من هذا الوجه. (قلت) يكفي في المناظرة تضعيف الطريق التي أبداها المناظر، وينقطع؛ إذ الأصل عدم ما سواها، حتى يثبت بطريق أخرى والله أعلم.

قال ويجوز رواية ما عدا الموضوع في باب الترغيب والترهيب، والقصص والمواعظ، ونحو ذلك، إلا في صفات الله -عز وجل-، وفي باب الحلال والحرام.

قال وممن يرخص في رواية الضعيف -فيما ذكرناه- ابن مهدي، وأحمد بن حنبل، -رحمهما الله-.

قال وإذا عزوته إلى النبي ﷺ من غير إسناد فلا تقل "قال ﷺ كذا وكذا"، وما أشبه ذلك من الألفاظ الجازمة، بل بصيغة التمريض، وكذا فيما يشك في صحته أيضا.
النوع الثالث والعشرون معرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل وبيان الجرح والتعديل

المقبول: الثقة الضابط لما يرويه وهو المسلم العاقل البالغ، سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وأن يكون مع ذلك متيقظا غير مغفل، حافظا إن حدث (من حفظه)، فاهما إن حدث على المعنى، فإن اختل شرط مما ذكرنا ردت روايته.

وتثبت عدالة الراوي باشتهاره بالخير والثناء الجميل عليه، أو بتعديل الأئمة، أو اثنين منهم له، أو واحد على الصحيح، ولو بروايته عنه في قول.

قال ابن الصلاح: وتوسع ابن عبد البر، فقال: كل حامل علم. معروف العناية به، فهو عدل، محمول أمره على العدالة، حتى يتبين جرحه، لقوله -عليه الصلاة والسلام- « يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله » قال: وفيما قاله اتساع غير مرضي والله أعلم.

(قلت) لو صح ما ذكره من الحديث لكان ما ذهب إليه قويا، ولكن في صحته نظر قوي، والأغلب عدم صحته والله أعلم.

ويعرف ضبط الراوي بموافقة الثقات لفظا أو معنى، وعكسه عكسه، والتعديل مقبول، ذكر السبب (أو لم يذكر)؛ لأن تعداده يطول، فقبل إطلاقه بخلاف الجرح، فإنه لا يقبل إلا مفسرا، لاختلاف الناس في الأسباب المفسقة، فقد يعتقد الجارح شيئا مفسقا، فيضعفه، ولا يكون كذلك في نفس الأمر أو عند غيره، فلهذا اشترط بيان السبب في الجرح.

قال الشيخ أبو عمرو: وأكثر ما يوجد في كتب الجرح والتعديل "فلان ضعيف"، أو "متروك"، ونحو ذلك، فإن لم نكتف به انسد باب كبير في ذلك.

وأجاب بأنا إذا لم نكتف به توقفنا في أمره، لحصول الريبة عندنا بذلك.

(قلت) أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل، أو كونه متروكا، أو كذابا، أو نحو ذلك.

فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم، ولهذا يقول الشافعي في كثير من كلامه على الأحاديث "لا يثبته أهل العلم بالحديث"، ويرده، ولا يحتج به، بمجرد ذلك والله أعلم.

أما إذا تعارض جرح وتعديل، فينبغي أن يكون الجرح حينئذ مفسرا وهل هو المقدم؟ أو الترجيح بالكثرة أو الأحفظ؟ فيه نزاع مشهور في أصول الفقه وفروعه وعلم الحديث والله أعلم. ويكفي قول الواحد في التعديل والتجريح على الصحيح وأما رواية الثقة عن شيخ فهل يتضمن تعديله ذلك الشيخ أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال.. (ثالثها): إن كان لا يروي إلا عن ثقة فتوثيق، وإلا فلا والصحيح (أنه) لا يكون توثيقا له، حتى ولو كان ممن ينص على عدالة شيوخه ولو قال "حدثني الثقة"، لا يكون ذلك توثيقا له على الصحيح؛ لأنه قد يكون ثقة عنده، لا عند غيره، وهذا واضح ولله الحمد.

قال وكذلك فتيا العالم أو عمله على وفق حديث، لا يستلزم تصحيحه له.

(قلت) وفي هذا نظر، إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث، أو تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه، أو استشهد به عند العمل بمقتضاه.

قال ابن الحاجب وحكم الحاكم المشترط العدالة تعديل باتفاق.

وأما إعراض العالم عن الحديث المعين بعد العلم به، فليس قادحا في الحديث باتفاق؛ لأنه قد يعدل عنه لمعارض أرجح عنده، مع اعتقاد صحته.

"مسألة" مجهول العدالة ظاهرا وباطنا لا تقبل روايته عند الجماهير ومن جهلت عدالته باطنا، ولكنه عدل في الظاهر، وهو المستور فقد قال بقبوله بعض الشافعيين، ورجح ذلك سليم بن أيوب الفقيه، ووافقه ابن الصلاح وقد حررت البحث في ذلك في المقدمات والله أعلم.

فأما المبهم الذي لم يسم أو من سمي ولا تعرف عينه، فهذا ممن لا يقبل روايته أحد علمناه ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير، فإنه يستأنس بروايته، ويستضاء بها في مواطن وقد وقع في مسند الإمام أحمد وغيره من هذا القبيل كثير والله أعلم.

قال الخطيب البغدادي وغيره وترتفع الجهالة عن الراوي بمعرفة العلماء له، أو برواية عدلين عنه.

قال الخطيب لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه وعلى هذا النمط مشى ابن حبان وغيره، بأن حكم له بالعدالة بمجرد هذه الحالة والله أعلم.

قالوا: فأما من لم يرو عنه سوى واحد، مثل عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وسعيد بن ذي حدان، تفرد بالرواية عنهم إسحاق السبيعي، وجري بن كليب، تفرد عنه قتادة، قال الخطيب والهزهاز بن ميزن، تفرد عنه الشعبي، قال ابن الصلاح وروى عنه الثوري.

وقال ابن الصلاح: وقد روى البخاري لمرداس الأسلمي، ولم يرو عنه سوى قيس بن أبي حازم، ومسلم لربيعة بن كعب، ولم يرو عنه سوى أبي سلمة بن عبد الرحمن قال وذلك مصير منهما إلى ارتفاع الجهالة برواية واحد وذلك متجه، كالخلاف في الاكتفاء بواحد في التعديل.

(قلت) توجيه جيد لكن البخاري ومسلم إنما اكتفيا في ذلك برواية الواحد فقط؛ لأن هذين صحابيان، وجهالة الصحابي لا تضر، بخلاف غيره والله أعلم.

"مسألة" المبتدع إن كفر ببدعته، فلا إشكال في رد روايته وإذا لم يكفر، فإن استحل الكذب ردت أيضا، وإن لم يستحل الكذب، فهل يقبل أو لا؟ أو يفرق بين كونه داعية أو غير داعية؟ في ذلك نزاع قديم وحديث، والذي عليه الأكثرون التفصيل بين الداعية وغيره، وقد حكي عن نص الشافعي، وقد حكى ابن حبان عليه الاتفاق، فقال: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلافا.

قال ابن الصلاح: وهذا أعدل الأقوال وأولاها والقول بالمنع مطلقا بعيد، مباعد للشائع عن أئمة الحديث، فإن كتبهم طافحة (بالرواية) عن المبتدعة غير الدعاة، ففي الصحيحين من حديثهم في الشواهد والأصول كثير والله أعلم.

(قلت) وقد قال الشافعي: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم فلم يفرق الشافعي في هذا النص بين الداعية وغيره، ثم ما الفرق في المعنى بينهما؟ وهذا البخاري قد خرج لعمران بن حطان الخارجي مادح عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي، وهذا من أكبر الدعاة إلى البدعة! والله أعلم.

مسائل

مسألة

التائب من الكذب في حديث الناس تقبل روايته خلافا لأبي بكر الصيرفي، فأما إن كان قد كذب في الحديث متعمدا، فنقل ابن الصلاح عن أحمد بن حنبل وأبي بكر الحميدي شيخ البخاري أنه لا تقبل روايته أبدا، وقال أبو المظفر السمعاني من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه.

(قلت) ومن العلماء من كفر متعمد الكذب في الحديث النبوي، ومنهم من يحتم قتله، وقد حررت ذلك في المقدمات.

وأما من غلط في حديث فبين له الصواب فلم يرجع إليه فقال ابن المبارك وأحمد بن حنبل والحميدي لا تقبل روايته أيضا، وتوسط بعضهم، فقال إن كان عدم رجوعه إلى الصواب عنادا، فهذا يلتحق بمن كذب عمدا، وإلا فلا والله أعلم.

ومن هاهنا ينبغي التحرز من الكذب كلما أمكن، فلا يحدث إلا من أصل معتمد، ويجتنب الشواذ والمنكرات، فقد قال القاضي أبو يوسف من تتبع غرائب الحديث كذب، وفي الأثر "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع".

مسألة

إذا حدث ثقة عن ثقة بحديث، فأنكر الشيخ سماعه لذلك بالكلية، فاختار ابن الصلاح أنه لا تقبل روايته عنه، لجزمه بإنكاره، ولا يقدح ذلك في عدالة الراوي عنه فيما عداه، بخلاف ما إذا قال لا أعرف هذا الحديث من سماعي، فإنه تقبل روايته عنه وأما إذا نسيه، فإن الجمهور يقبلونه، ورده بعض الحنفية، كحديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة « أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل » قال ابن جريج: فلقيت الزهري فسألته عنه، فلم يعرفه وكحديث ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة "قضي بالشاهد واليمين" ثم نسي سهيل، لآفة حصلت له، فكان يقول حدثني ربيعة عني.

(قلت) هذا أولى بالقبول من الأول، وقد جمع الخطيب البغدادي كتابا فيمن حدث بحديث ثم نسي.

مسألة

ومن أخذ على التحديث أجرة هل تقبل روايته أم لا؟ روي عن أحمد وإسحاق وأبي حاتم أنه لا يكتب عنه، لما فيه من خرم المروءة وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين، وعلي بن عبد العزيز وآخرون، كما تؤخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ثبت في صحيح البخاري « إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله » وقد أفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي فقيه العراق ببغداد لأبي الحسين بن النقور بأخذ الأجرة، لشغل المحدثين له عن التكسب لعياله.

مسألة

قال الخطيب البغدادي أعلى العبارات في التعديل والتجريح أن يقال "حجة" أو "ثقة" وأدناها أن يقال "كذاب".

(قلت)

وبين ذلك أمور كثيرة يعسر ضبطها، وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على مراتب منها [11] وثم اصطلاحات لأشخاص، ينبغي التوقيف عليها.

من ذلك أن البخاري إذا قال في الرجل: "سكتوا عنه" أو "فيه نظر" فإنه يكون في أدنى المنازل وأردئها عنده، ولكنه لطيف العبارة في التجريح، فليعلم ذلك.

وقال ابن معين: إذا قلت "ليس به بأس" فهو ثقة قال ابن أبي حاتم إذا قيل "صدوق" أو "محله الصدق" أو "لا بأس به" فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه.

وروى ابن الصلاح عن أحمد بن صالح المصري أنه قال: لا يترك الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه.

وقد بسط ابن الصلاح الكلام في ذلك والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم بما عرف من عبارتهم في غالب الأحوال، وبقرائن ترشد إلى ذلك والله الموفق.

قال ابن الصلاح: وقد فقدت شروط الأهلية في غالب أهل زماننا، ولم يبق إلا مراعاة اتصال السلسلة في الإسناد، فينبغي أن لا يكون مشهورا بفسق ونحوه، وأن يكون ذلك مأخوذا عن ضبط سماعه من مشايخه من أهل الخبرة بهذا الشأن والله أعلم.
النوع الرابع والعشرون كيفية سماع الحديث وتحمله وضبطه

يصح تحمل الصغار الشهادة والأخبار، وكذلك الكفار إذا أدوا ما حملوه في حال كمالهم، وهو الاحتلام والإسلام.

وينبغي المباراة إلى إسماع الولدان الحديث النبوي والعادة المطردة في أهل هذه الأعصار وما قبلها بمدد متطاولة أن الصغير يكتب له حضور إلى تمام خمس سنين من عمره، ثم بعد ذلك يسمى سماعا، واستأنسوا في ذلك بحديث محمود بن الربيع « أنه عقل مجة مجها رسول الله ﷺ في وجهه من دلو في دارهم وهو ابن خمس سنين » رواه البخاري فجعلوه فرقا بين السماع والحضور، وفي رواية وهو ابن أربع سنين.

وضبطه بعض الحفاظ بسن التمييز، وقال بعضهم: أن يفرق بين الدابة والحمار، وقال بعض الناس: لا ينبغي السماع إلا بعد العشرين سنة وقال: بعض عشر، وقال آخرون: ثلاثون والمدار في ذلك كله على التمييز، فمتى كان الصبي يعقل كتب له سماع.

قال الشيخ أبو عمرو: وبلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري أنه قال: رأيت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع يبكي.

وأنواع تحمل الحديث ثمانية:

القسم الأول السماع

وتارة يكون من لفظ المسمع حفظا، أو من كتاب قال القاضي عياض: فلا خلاف حينئذ أن يقول السامع "حدثنا"، و"أخبرنا"، و"أنبأنا" و"سمعت"، و"قال لنا"، و"ذكر فلان".

وقال الخطيب: أرفع العبارات "سمعت"، ثم "حدثنا"، و"حدثني"، (قال) وقد كان جماعة من أهل العلم لا يكادون يخبرون عما سمعوه من الشيخ إلا بقولهم "أخبرنا"، ومنهم حماد بن سلمة، وابن المبارك، وهشيم (بن بشير)، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، ويحيى بن يحيى التميمي، وإسحاق بن راهويه، وآخرون كثيرون.

قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون "حدثنا" و"أخبرنا" أعلى من "سمعت"؛ لأنه قد لا يقصده بالإسماع، بخلاف ذلك والله أعلم.

"حاشية" قلت بل الذي ينبغي أن يكون أعلى العبارات على هذا أن يقول "حدثني"، فإنه إذا قال "حدثنا" أو "أخبرنا"، قد لا يكون قصده الشيخ بذلك أيضا؛ لاحتمال أن يكون في جمع كثير والله أعلم.

القسم الثاني: القراءة على الشيخ حفظا أو من كتاب، وهو "العرض" عند الجمهور والرواية بها سائغة عن العلماء، إلا عند شذاذ لا يعتد بخلافهم ومستند العلماء حديث ضمام بن ثعلبة، وهو في الصحيح وهي دون السماع من لفظ الشيخ وعن مالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب أنها أقوى وقيل هما سواء، ويعزى ذلك إلى أهل الحجاز والكوفة، وإلى مالك أيضا وأشياخه من أهل المدينة، وإلى اختيار البخاري، والصحيح الأول، وعليه علماء المشرق.

فإذا حدث بها يقول "قرأت" أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به" أو "أخبرنا" أو "حدثنا قراءة عليه"، وهذا واضح، فإن أطلق ذلك جاز عند مالك والبخاري، ويحيى بن سعيد القطان، والزهري وسفيان بن عيينة، ومعظم الحجازيين والكوفيين، حتى إن منهم من سوغ "سمعت" أيضا، ومنع من ذلك أحمد، والنسائي، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى التميمي.

القسم الثالث: أن يجوز "أخبرنا"، ولا يجوز "حدثنا" وبه قال الشافعي، ومسلم، والنسائي أيضا، وجمهور المشارقة، بل نقل ذلك عن أكثر المحدثين وقد قيل إن أول من فرق بينهما ابن وهب قال الشيخ أبو عمرو، وقد سبقه إلى ذلك ابن جريج والأوزاعي، قال: وهو الشائع الغالب على أهل الحديث.

"فرع" ولا يشترط أن يقر الشيخ بما قرئ عليه نطقا، بل يكفي سكوته وإقراره عليه، عند الجمهور وقال آخرون من الظاهرية وغيرهم: لا بد من استنطاقه بذلك، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وابن الصباغ، وسليم الرازي قال ابن الصباغ: إن لم يتلفظ لم تجز الرواية، ويجوز العمل بما سمع عليه

"فرع" قال ابن وهب: والحاكم يقول: فيما قرئ على الشيخ وهو وحده "حدثني"، فإن كان معه غيره "حدثنا"، وفيما قرأه على الشيخ وحده "أخبرني"، فإن قرأه غيره "أخبرنا"

قال ابن الصلاح: وهذا حسن فائق، فإن شك أتى بالمتحقق، وهو الوحدة "حدثني" أو "أخبرني"، عند ابن الصلاح والبيهقي، وعن يحيى بن سعيد القطان يأتي بالأدنى، وهو "حدثنا" أو "أخبرنا"

قال الخطيب البغدادي: وهذا الذي قاله ابن وهب مستحب، لا مستحق، عند أهل العلم كافة.

"فرع" اختلفوا في صحة سماع من ينسخ أو إسماعه فمنع من ذلك إبراهيم الحربي وابن عدي وأبو إسحاق الإسفراييني وكان أبو بكر أحمد بن إسحاق الصبغي يقول "حضرت"، ولا يقول "حدثنا" ولا "أخبرنا" وجوزه موسى بن هارون الحافظ.

وكان ابن المبارك ينسخ، وهو يقرأ عليه

وقال أبو حاتم كتبت حديث عارم وعمرو بن مرزوق، وحضر الدارقطني وهو شاب، فجلس إسماعيل الصفار وهو يملي، والدارقطني ينسخ جزءا، فقال له بعض الحاضرين لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك، فقال له كم أملى الشيخ حديثا إلى الآن؟ فقال الدارقطني ثمانية عشر حديثا، ثم سردها كلها عن ظهر قلب، بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه، والله أعلم. وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، -تغمده الله برحمته-، يكتب في مجلس السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ ردا جيدا بينا واضحا، بحيث يتعجب القارئ من نفسه أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء الدارقطني وهو شاب، فجلس إسماعيل الصفار وهو يملي، والدارقطني ينسخ جزءا، فقال له بعض الحاضرين لا يصح سماعك وأنت تنسخ، فقال: فهمي للإملاء بخلاف فهمك، فقال له: كم أملى الشيخ حديثا إلى الآن؟ فقال الدارقطني: ثمانية عشر حديثا، ثم سردها كلها عن ظهر قلب، بأسانيدها ومتونها، فتعجب الناس منه، والله أعلم.

وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي، -تغمده الله برحمته-، يكتب في مجلس السماع، وينعس في بعض الأحيان، ويرد على القارئ ردا جيدا بينا واضحا، بحيث يتعجب القارئ من نفسه أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ، والشيخ ناعس وهو أنبه منه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال ابن الصلاح: وكذلك التحدث في مجلس السماع، وما إذا كان القارئ سريع القراءة، أو كان السامع بعيدا من القارئ ثم اختار أن يغتفر اليسير من ذلك، وأنه إذا كان يفهم ما يقرأ مع النسخ فالسماع صحيح، وينبغي أن يجبر ذلك بالإجازة بعد ذلك كله.

هذا هو الواقع في زماننا اليوم أن يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم، والبعيد من القارئ، والناعس، والمتحدث، والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم، بل يلعبون غالبا، ولا يشتغلون بمجرد السماع، وكل هؤلاء قد كان يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي، رحمه الله.

وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي أنه زجر في مجلسه الصبيان عن اللعب، فقال: لا تزجروهم، فإنا سمعنا مثلهم.

وقد روي عن الإمام العلم عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه وكذا قال غير واحد من الحفاظ وقد كانت المجالس تعقد ببغداد، وبغيرها من البلاد، فيجتمع الفئام من الناس، بل الألوف المؤلفة، ويصعد المستملي على الأماكن المرتفعة، ويبلغون عن المشايخ ما يملون، فيحدث الناس عنهم بذلك، مع ما يقع في مثل هذه المجامع من اللغط والكلام وحكى الأعمش أنهم كانوا في حلقة إبراهيم، إذا لم يسمع أحدهم الكلمة جيدا استفهمها من جاره، وقد وقع هذا في بعض الأحاديث عن عقبة بن عامر، وجابر بن سمرة وغيرهما، وهذا هو الأصلح للناس، وإن قد تورع آخرون وشددوا في ذلك، وهو القياس والله أعلم.

ويجوز السماع من وراء حجاب، كما كان السلف يروون عن أمهات المؤمنين، واحتج بعضهم بحديث: « حتى ينادي ابن أم مكتوم ».

وقال بعضهم عن شعبة: إذا حدثك من لا ترى شخصه فلا ترو عنه، فلعله شيطان قد تصور في صورته، يقول حدثنا أخبرنا وهذا عجيب وغريب جدا، إذا حدثه بحديث ثم قال: " لا تروه عني"، أو "رجعت عن إسماعك"، ونحو ذلك، ولم يبد مستندا سوى المنع اليابس، أو أسمع قوما فخص بعضهم، وقال: "لا أجيز لفلان أن يروي عني شيئا" فإنه لا يمنع من صحة الرواية عنه، ولا التفات إلى قوله وقد حدث النسائي عن الحارث بن مسكين، والحالة هذه، وأفتى الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني بذلك.

القسم الثالث: الإجازة والرواية بها جائزة عند الجمهور، وادعى القاضي أبو الوليد الباجي الإجماع على ذلك ونقضه ابن الصلاح بما رواه الربيع عن الشافعي أنه منع من الرواية بها وبذلك قطع الماوردي، وعزاه إلى مذهب الشافعي، وكذلك قطع بالمنع القاضي حسين بن محمد المروروذي صاحب التعليقة، وقالا جميعا لو جازت الرواية بالإجازة لبطلت الرحلة، وكذا روي عن شعبة بن الحجاج وغيره من أئمة الحديث وحفاظه، وممن أبطلها إبراهيم الحربي وأبو الشيخ محمد بن عبد الله الأصبهاني، وأبو نصر الوائلي السجزي، وحكي ذلك عن جماعة ممن لقيهم، ثم هي أقسام:

1- إجازة من معين لمعين في معين، بأن يقول: "أجزتك أن تروي عني هذا الكتاب"، أو "هذه الكتب"، وهي المناولة، فهذه جائزة عند الجماهير، حتى الظاهرية، لكن خالفوا في العمل بها؛ لأنها في معنى المرسل عندهم، إذا لم يتصل السماع.

2- إجازة لمعين في غير معين، مثل أن يقول: " أجزت لك أن تروي عني ما أرويه"، أو "ما صح عندك، من مسموعاتي ومصنفاتي" وهذا مما يجوزه الجمهور أيضا، رواية وعملا.

3- الإجازة لغير معين، مثل أن يقول: "جزت للمسلمين"، أو "للموجودين"، أو "لمن قال: لا إله إلا الله"، وتسمى "الإجازة العامة" وقد اعتبرها طائفة من الحفاظ والعلماء، فمن جوزها الخطيب البغدادي، ونقلها عن شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، ونقلها أبو بكر الحازمي عن شيخه أبي العلاء الهمداني الحافظ، وغيرهم من محدثي المغاربة رحمهم الله.

4- الإجازة للمجهول بالمجهول، ففاسدة، وليس منها ما يقع من الاستدعاء لجماعة مسمين لا يعرفهم المجيز أو لا يتصفح أنسابهم ولا عدتهم، فإن هذا سائغ شائع، كما لا يستحضر المسمع أنساب من يحضر مجلسه ولا عدتهم والله أعلم.

ولو قال: أ"جزت رواية هذا الكتاب لمن أحب روايته عني"، فقد كتبه أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، وسوغه غيره، وقواه ابن الصلاح، وكذلك لو قال:" أجزتك ولولدك ونسلك وعقبك رواية هذا الكتاب" أو "ما يجوز لي روايته" فقد جوزها جماعة، منهم أبو بكر بن أبي داود، قال لرجل "أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة" وأما لو قال "أجزت لمن يوجد من بني فلان"، فقد حكى الخطيب

جوازها عن القاضي أبي يعلى بن الفراء الحنبلي، وأبي الفضل

بن عمروس المالكي، وحكاه ابن الصباغ عن طائفة، ثم ضعف ذلك، وقال هذا يبنى على أن الإجازة إذن أو محادثة، وكذلك

ضعفها ابن الصلاح، وأورد الإجازة للطفل الصغير الذي لا يخاطب مثله، وذكر الخطيب أنه قال للقاضي أبي الطيب: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة إلا لمن يصح سماعه؟ فقال:

قد يجيز الغائب عنه، ولا يصح سماعه منه ثم رجح الخطيب صحة الإجازة للصغير، قال وهو الذي رأينا كافة شيوخنا يفعلونه، يجيزون للأطفال، من غير أن يسألوا عن أعمارهم، ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن موجودا في الحال والله أعلم.

ولو قال: "أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك مما سمعته وما سأسمعه"، فالأول جيد، والثاني فاسد وقد حاول ابن الصلاح تخريجه على أن الإجازة إذن كالوكالة وفيما لو قال: "وكلتك في بيع ما سأملكه" خلاف

وأما الإجازة بما يرويه إجازة، فالذي عليه الجمهور الرواية بالإجازة على الإجازة وإن تعددت وممن نص على ذلك الدارقطني، وشيخه أبو العباس بن عقدة، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والخطيب، وغير واحد من العلماء قال ابن الصلاح: ومنع من ذلك بعض من لا يعتد به من المتأخرين، والصحيح الذي عليه العمل جوازه، وشبهوا ذلك بتوكيل الوكيل.

القسم الرابع: المناولة فإن كان معها إجازة، مثل أن يناول الشيخ الطالب كتابا من سماعه، ويقول له "ارو هذا عني، أو يملكه إياه، أو يعيره لينسخه ثم يعيده إليه، أو يأتيه الطالب بكتاب من سماعه فيتأمله، ثم يقول "ارو عني هذا"، ويسمى هذا "عرض المناول"

وقد قال الحاكم: إن هذا إسماع عند كثير من المتقدمين، وحكوه عن مالك نفسه، والزهري، وربيعة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، من أهل المدينة، ومجاهد، وأبي الزبير، وسفيان بن عيينة، من المكيين، وعلقمة، وإبراهيم، والشعبي، من أهل الكوفة، وقتادة، وأبي العالية، وأبي المتوكل الناجي، من البصرة، وابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، من أهل مصر، وغيرهم من أهل الشام والعراق، ونقله عن جماعة من مشايخه قال ابن الصلاح: وقد خلط في كلامه عرض المناولة بعرض القراءة.

ثم قال الحاكم: والذي عليه جمهور فقهاء الإسلام، الذين أفتوا في الحرام والحلال أنهم لم يروه سماعا، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري والأوزاعي وابن المبارك، ويحيى بن يحيى والبويطي والمزني، وعليه عهدنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب والله أعلم.

وأما إذا لم يملكه الشيخ الكتاب، ولم يعره إياه، فإنه منحط عما قبله، حتى إن منهم من يقول هذا مما لا فائدة فيه، ويبقى مجرد إجازة.

(قلت) أما إذا كان الكتاب مشهورا، كالبخاري ومسلم، أو شيء من الكتب المشهورة فهو كما لو ملكه أو أعاره إياه والله أعلم.

ولو تجردت المناولة عن الإذن في الرواية فالمشهور أنه لا تجوز الرواية بها، وحكى الخطيب عن بعضهم جوازها قال ابن الصلاح: ومن الناس من جوز الرواية بمجرد إعلام الشيخ للطالب أن هذا سماعه والله أعلم.

ويقول الراوي بالإجازة "أنبأنا" فإن قال "إجازة" فهو أحسن، ويجوز "أنبأنا" و"حدثنا" عند جماعة من المتقدمين.

وقد تقدم النقل عن جماعة أنهم جعلوا عرض المناولة المقرونة بالإجازة بمنزلة السماع، فهؤلاء يقولون "حدثنا" و"أخبرنا"، بلا إشكال.

والذي عليه جمهور المحدثين قديما وحديثا أنه لا يجوز إطلاق "حدثنا" ولا "أخبرنا" بل مقيدا وكان الأوزاعي يخصص الإجازة بقوله "خبرنا" بالتشديد.

القسم الخامس: المكاتبة بأن يكتب إليه بشيء من حديثه.

فإن أذن له في روايته عنه، فهو كالمناولة المقرونة بالإجازة وإن لم تكن معها إجازة، فقد جوز الرواية بها أيوب، ومنصور، والليث وغير واحد من الفقهاء الشافعية والأصوليين، وهو المشهور، وجعلوا ذلك أقوى من الإجازة المجردة، وقطع الماوردي بمنع ذلك والله أعلم.

وجوز الليث ومنصور في المكاتبة أن يقول "أخبرنا" و"حدثنا" مطلقا، والأحسن والأليق تقييده بالمكاتبة.

القسم السادس: إعلام الشيخ أن هذا الكتاب سماعه من فلان، من غير أن يأذن له في روايته عنه، فقد سوغ الرواية بمجرد ذلك طوائف من المحدثين والفقهاء، منهم ابن جريج، وقطع به ابن الصباغ، واختاره غير واحد من المتأخرين، حتى قال بعض الظاهرية: لو أعلمه بذلك ونهاه عن روايته عنه فله روايته، كما لو نهاه عن روايته ما سمعه منه.

القسم السابع: الوصية بأن يوصي بكتاب له كان يرويه لشخص فقد ترخص بعض السلف (في رواية الموصى) له بذلك الكتاب عن الموصي، وشبهوا ذلك بالمناولة وبالإعلام بالرواية قال ابن الصلاح: وهذا بعيد، وهو إما زلة عالم أو متأول، إلا أن يكون أراد بذلك روايته بالوجادة والله أعلم.

القسم الثامن: الوجادة: وصورتها أن يجد حديثا أو كتابا بخط شخص بإسناده، فله أن يرويه عنه على سبيل الحكاية، فيقول "وجدت بخط فلان حدثنا فلان" ويسنده ويقع هذا أكثر في مسند الإمام أحمد، يقول ابنه عبد الله "وجدت بخط أبي حدثنا فلان" ويسوق الحديث، وله أن يقول: "قال فلان إذا لم يكن فيه تدليس يوهم اللقي.

قال ابن الصلاح وجازف بعضهم فأطلق فيه "حدثنا" أو "أخبرنا" وانتقد ذلك على فاعله

وله أن يقول فيما وجد من تصنيفه بغير خطه "ذكر فلان"، و"قال فلان أيضا، ويقول "بلغني عن فلان"، فيما لم يتحقق أنه من تصنيفه أو مقابلة كتابه والله أعلم.

(قلت) والوجادة ليست من باب الرواية، وإنما هي حكاية عما وجده في الكتاب وأما العمل بها فمنع منه طائفة كثيرة من الفقهاء والمحدثين، أو أكثرهم، فيما حكاه بعضهم ونقل عن الشافعي وطائفة من أصحابه جواز العمل بها قال ابن الصلاح: وقطع بعض المحققين من أصحابه في الأصول بوجوب العمل بها عند حصول الثقة به قال ابن الصلاح: وهذا هو الذي لا يتجه غيره في الأعصار المتأخرة لتعذر شروط الرواية في هذا الزمان، يعني فلم يبق إلا مجرد وجادات.

(قلت) وقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: « أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة، قال: وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ وذكروا الأنبياء، فقال: وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا: فمن يا رسول الله؟ قال: قوم يأتون من بعدكم، يجدون صحفا يؤمنون بما فيها ».

وقد ذكرنا الحديث بإسناده ولفظه في شرح البخاري، ولله الحمد فيؤخذ منه مدح من عمل بالكتب المتقدمة بمجرد الوجادة لها والله أعلم.
النوع الخامس والعشرون كتابة الحديث وضبطه وتقييده

قد ورد في صحيح مسلم عن أبي سعيد مرفوعا من كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه .

قال ابن الصلاح: وممن روينا عنه كراهة ذلك عمر، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد، في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين.

قال: وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله علي، وابنه الحسن، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، في جمع من الصحابة والتابعين.

(قلت) وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "اكتبوا لأبي شاه"، وقد تحرر هذا الفصل في أوائل كتابنا المقدمات، ولله الحمد.

قال البيهقي وابن الصلاح وغير واحد: لعل النهي عن ذلك كان حين يخاف التباسه بالقرآن، والإذن فيه حين أمن ذلك والله أعلم.

وقد حكي إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث، وهذا أمر مستفيض، شائع ذائع، من غير نكير.

فإذا تقرر هذا، فينبغي لكاتب الحديث، أو غيره من العلوم أن يضبط ما يشكل منه، أو قد يشكل على بعض الطلبة، في أصل الكتاب نقطا وشكلا وإعرابا، على ما هو المصطلح عليه بين الناس، ولو قيد في الحاشية لكان حسنا.

وينبغي توضيحه، ويكره التدقيق والتعليل في الكتاب لغير عذر قال الإمام أحمد لابن عمه حنبل -وقد رآه يكتب دقيقا-: لا تفعل، فإنه يخونك أحوج ما تكون إليه.

قال ابن الصلاح وينبغي أن يجعل بين كل حديثين دائرة وممن بلغنا عنه ذلك أبو الزناد، وأحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وابن جرير الطبري.

(قلت) قد رأيته في خط الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-.

قال الخطيب البغدادي وينبغي أن يترك الدائرة غفلا، فإذا قابلها نقط فيها النقطة.

قال ابن الصلاح: ويكره أن يكتب "عبد الله فلان، فيجعل "عبد" آخر سطر والجلالة في أول سطر، بل يكتبه في سطر واحد.

قال: وليحافظ على الثناء على الله، والصلاة والسلام على رسوله، وإن تكرر فلا يسأم، فإن فيه خيرا كثيرا.

قال: وما وجد من خط الإمام أحمد من غير صلاة فمحمول على أنه أراد الرواية قال الخطيب: وبلغني أنه كان يصلي على النبي ﷺ نطقا لا خطا.

قال ابن الصلاح: وليكتب الصلاة والتسليم مجلسة لا رمزا قال: ولا يقتصر على قوله "عليه السلام"، يعني وليكتب ﷺ واضحة كاملة.

قال: وليقابل أصله بأصل معتمد، ومع نفسه أو غيره من موثوق به ضابط قال: ومن الناس من شدد وقال: لا يقابل إلا مع نفسه قال: وهذا مرفوض مردود.

وقد تكلم الشيخ أبو عمرو على ما يتعلق بالتخريج والتضبيب والتصحيح وغير ذلك من الاصطلاحات المطردة والخاصة ما أطال الكلام فيه جدا.

وتكلم على كتابة "ح" بين الإسنادين، وأنها "ح" مهملة، من التحويل أو الحائل بين الإسنادين، أو عبارة عن قوله "الحديث".

(قلت) ومن الناس من يتوهم أنها "خاء" معجمة، أي إسناد آخر والمشهور الأول، وحكى بعضهم الإجماع عليه.
النوع السادس والعشرون صفة رواية الحديث

قال ابن الصلاح: شدد قوم في الرواية، فاشترط بعضهم أن تكون الرواية من حفظ الراوي أو تذكره، وحكاه عن مالك، وأبي حنيفة، وأبي بكر الصيدلاني المروزي (الشافعي).

واكتفى آخرون، وهم الجمهور، بثبوت سماع الراوي لذلك الذي يسمع عليه، وإن كان بخط غيره، وإن غابت عنه النسخة، إذا كان الغالب على الظن سلامتها من التبديل والتغيير.

وتساهل آخرون في الرواية من نسخ لم تقابل، بمجرد قول الطالب "هذا من روايتك" من غير تثبت، ولا نظر في النسخة، ولا تفقد طبقة سماعه.

قال: وقد عدهم الحاكم في طبقات المجروحين.

(فرع) قال الخطيب البغدادي: والسماع على الضرير أو البصير الأمي، إذا كان مثبتا بخط غيره أو قوله فيه خلاف بين الناس فمن العلماء من منع الرواية عنهم، ومنهم من أجازها.

(فرع آخر) إذا روى كتابا، كالبخاري مثلا، عن شيخ، ثم وجد نسخة به ليست مقابلة على أصل شيخه، أو لم يجد أصل سماعه فيها عليه، لكنه تسكن نفسه إلى صحتها، فحكى الخطيب عن عامة أهل الحديث أنهم منعوا من الرواية بذلك، ومنهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ الفقيه، وحكي عن أيوب ومحمد بن بكر البرساني أنهما رخصا في ذلك.

(قلت) وإلى هذا أجنح والله أعلم.

وقد توسط الشيخ تقي الدين ابن الصلاح فقال: إن كانت له من شيخه إجازة جازت روايته والحالة هذه.

(فرع آخر) إذا اختلف الحافظ وكتابه فإن كان اعتماده في حفظه على كتابه فليرجع إليه، وإن كان من غيره فليرجع إلى حفظه، وحسن أن ينبه على ما في الكتاب مع ذلك، كما روي عن شعبة، وكذلك إذا خالفه غيره من الحفاظ، فلينبه على ذلك عند روايته كما فعل سفيان الثوري والله أعلم.

(فرع آخر) لو وجد طبقة سماعه في كتاب، إما بخطه أو خط من يثق به، ولم يتذكر سماعه لذلك فقد حكي عن أبي حنيفة وبعض الشافعية أنه لا يجوز له الإقدام على الرواية، والجادة من مذهب الشافعي- وبه يقول محمد بن الحسن وأبو يوسف- الجواز، اعتمادا على ما غلب على ظنه، وكما أنه لا يشترط أن يتذكر سماعه لكل حديث أو ضبطه، كذلك لا يشترط تذكره لأصل سماعه.

(فرع آخر) وأما روايته الحديث بالمعنى فإن كان الراوي غير عالم ولا عارف بما يحيل المعنى، فلا خلاف أنه لا تجوز له روايته الحديث بهذه الصفة.

وأما إن كان عالما بذلك، بصيرا بالألفاظ ومدلولاتها، وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك، فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفا وخلفا، وعليه العمل، كما هو المشاهد في الأحاديث الصحاح وغيرها، فإن الواقعة تكون واحدة، وتجيء بألفاظ متعددة، من وجوه مختلفة متباينة.

ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين، وشددوا في ذلك آكد التشديد وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع، ولكن لم يتفق ذلك والله أعلم.

وقد كان ابن مسعود وأبو الدرداء وأنس -رضي الله عنهم- يقولون إذا رووا الحديث ـ: "أو نحو هذا"، أو "شبهه"، "أو قريبا منه".

(فرع آخر) وهل يجوز اختصار الحديث، فيحذف بعضه، إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمذكور؟ على قولين.

فالذي عليه صنيع أبي عبد الله البخاري اختصار الأحاديث في كثير من الأماكن.

وأما مسلم فإنه يسوق الحديث بتمامه، ولا يقطعه، ولهذا رجحه كثير من حفاظ المغاربة، واستروح إلى شرحه آخرون، لسهولة ذلك بالنسبة إلى صحيح البخاري وتفريقه الحديث في أماكن متعددة بحسب حاجته إليه وعلى هذا المذهب جمهور الناس قديما وحديثا.

قال ابن الحاجب في مختصره.

(مسألة) حذف بعض الخبر جائز عند الأكثر، إلا في الغاية والاستثناء ونحوه، أما إذا حذف الزيادة لكونه شك فيها، فهذا سائغ، كان مالك يفعل ذلك كثيرا، بل كان يقطع إسناد الحديث إذا شك في وصله، وقال مجاهد: أنقص الحديث ولا تزد فيه.

(فرع آخر) ينبغي لطالب الحديث أن يكون عارفا بالعربية قال الأصمعي: "أخشى عليه إذا لم يعرف العربية أن يدخل في قوله « من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » فإن النبي ﷺ لم يكن يلحن، فمهما رويت عنه، ولحنت فيه كذبت عليه.

وأما التصحيف، فدواؤه أن يتلقاه من أفواه المشايخ الضابطين والله والموفق.

وأما إذا لحن الشيخ، فالصواب أن يرويه السامع على الصواب، وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور وحكي عن محمد بن سيرين وأبي معمر عبد الله بن سخبرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونا قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ.

وعن القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن، استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ، كما وقع في الصحيح والموطأ.

لكن أهل المعرفة منه ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي، ومنهم من جسر على تغيير الكتب وإصلاحها، منهم أبو الوليد هشام بن أحمد الكناني الوقشي، لكثرة مطالعته وافتنانه قال: وقد غلط في أشياء من ذلك، وكذلك غيره ممن سلك مسلكه.

قال: والأولى سد باب التغيير والإصلاح، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن، وينبه على ذلك عند السماع.

وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل.

(قلت) ومن الناس (من) إذا سمع الحديث ملحونا عن الشيخ ترك روايته؛ لأنه إن تبعه في ذلك، فالنبي ﷺ لم يكن يلحن في كلامه، وإن رواه عنه على الصواب، فلم يسمعه منه كذلك.

(فرع) وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذلك إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب، وقد قال الله -تعالى-: { والله يعلم المفسد من المصلح }. [12]

(فرع آخر) وإذا روي الحديث عن شيخين فأكثر، وبين ألفاظهم تباين فإن ركب السياق من الجميع، كما فعل الزهري في حديث الإفك، حين رواه عن سعيد بن المسيب وعروة وغيرهما عن عائشة، وقال: "كل حدثني طائفة من الحديث، فدخل حديث بعضهم في بعض" وساقه بتمامه، فهذا سائغ، فإن الأئمة قد تلقوه بالقبول، وخرجوه في كتبهم الصحاح وغيرها.

وللراوي أن يبين كل واحدة منها عن الأخرى، ويذكر ما فيها من زيادة ونقصان، وتحديث وإخبار وإنباء وهذا مما يعنى به مسلم في صحيحه، ويبالغ فيه، وأما البخاري فلا يعرج على ذلك ولا يلتفت إليه، وربما تعاطاه في بعض الأحايين، والله أعلم، وهو نادر.

(فرع آخر) وتجوز الزيادة في نسب الراوي، إذا بين أن الزيادة من عنده وهذا محكي عن أحمد بن حنبل وجمهور المحدثين والله أعلم.

(فرع آخر) جرت عادة المحدثين إذا قرءوا يقولون أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان، قال: أخبرنا فلان"، ومنهم من يحذف لفظة "قال"، وهو سائغ عند الأكثرين.

وما كان من الأحاديث بإسناد واحد، كنسخة عبد الرزاق عن معمر عن أبي هريرة، ومحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وبهز بن حكيم عن أبيه عن جده، وغير ذلك، فله إعادة الإسناد عند كل حديث، وله أن يذكر الإسناد عند أول حديث منها، ثم يقول "وبالإسناد" أو "وبه إلى رسول الله ﷺ قال كذا وكذا"، ثم له أن يرويه كما سمعه، وله أن يذكر عند كل حديث الإسناد.

(قلت) والأمر في هذا قريب سهل يسير والله أعلم.

وأما إذا قدم ذكر المتن على الإسناد كما إذا قال "قال رسول الله ﷺ كذا وكذا" ثم قال "أخبرنا به"، وأسنده فهل للراوي عنه أن يقدم الإسناد أو لا ويتبعه بذكر متن الحديث؟ فيه خلاف، ذكره الخطيب ابن الصلاح.

والأشبه عندي جواز ذلك، والله أعلم ولهذا يعيد محدثو زماننا إسناد الشيخ بعد فراغ الخبر؛ لأن من الناس من يسمع من أثنائه بفوت، فيتصل له سماع ذلك من الشيخ، وله روايته عنه كما يشاء، من تقديم إسناده وتأخيره والله أعلم.

(فرع) إذا روى حديثا بسنده، ثم أتبعه بإسناد له آخر، وقال في آخره "مثله" أو "نحوه"، وهو ضابط محرر، فهل يجوز روايته لفظ الحديث الأول بإسناد الثاني؟ قال شعبة: لا، وقال الثوري: نعم، حكاه وكيع، وقال يحيى بن معين: يجوز في قوله "مثله"، ولا يجوز في "نحوه".

قال الخطيب: إذا قيل بالرواية على هذا المعنى فلا فرق بين قوله "مثله" أو "نحوه"، ومع هذا أختار قول ابن معين والله أعلم.

أما إذا أورد السند وذكر بعض الحديث ثم قال: "الحديث"، أو "الحديث بتمامه"، أو "بطوله" أو "إلى آخره"، كما جرت به عادة كثير من الرواة فهل للسامع أن يسوق الحديث بتمامه على هذا الإسناد؟ رخص في ذلك بعضهم، ومنع منه آخرون، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الفقيه الأصولي، وسأل أبو بكر البرقاني شيخه أبا بكر الإسماعيلي عن ذلك، فقال: إن كان الشيخ والقارئ يعرفان الحديث فأرجو أن يجوز ذلك، والبيان أولى.

قال ابن الصلاح (قلت): وإذا جوزنا ذلك، فالتحقيق أنه يكون بطريق الإجازة الأكيدة القوية.

وينبغي أن يفصل، فيقال: إن كان قد سمع الحديث المشار إليه قبل ذلك على الشيخ في ذلك المجلس أو في غيره، فتجوز الرواية، وتكون الإشارة إلى شيء قد سلف بيانه وتحقق سماعه والله أعلم.

إبدال لفظ "الرسول" "بالنبي" أو "النبي" "بالرسول" قال ابن الصلاح: الظاهر أنه لا يجوز ذلك، وإن جازت الرواية بالمعنى، يعني لاختلاف معنييهما، ونقل عبد الله بن أحمد أن أباه كان يشدد في ذلك فإذا كان في الكتاب "النبي" فكتب المحدث "رسول الله ﷺ" ضرب على "رسول"، وكتب "النبي" قال الخطيب: وهذا منه استحباب، فإن مذهبه الترخيص في ذلك.

قال صالح: سألت أبي عن ذلك؟ فقال: أرجو أنه لا بأس به.

وروي عن حماد بن سلمة أن عفان وبهزا كانا يفعلان ذلك بين يديه، فقال: لهما أما أنتما فلا تفقهان أبدا!

(الرواية في حال المذاكرة) هل تجوز الرواية بها؟ حكى ابن الصلاح عن ابن مهدي، وابن المبارك وأبي زرعة، المنع من التحديث بها، لما يقع فيها من المساهلة، والحفظ خوان.

قال ابن الصلاح: ولهذا امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم، منهم أحمد بن حنبل قال: فإذا حدث بها فليقل "حدثنا فلان مذاكرة"، أو "في المذاكرة"، ولا يطلق ذلك، فيقع في نوع من التدليس والله أعلم.

وإذا كان الحديث عن اثنين، جاز ذكر ثقة منهما وإسقاط الآخر، ثقة كان أو ضعيفا وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالبا وأما أحمد بن حنبل فلا يسقطه، بل يذكره والله أعلم.
النوع السابع والعشرون آداب المحدث

وقد ألف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا سماه "الجامع لآداب الشيخ والسامع".

وقد تقدم من ذلك مهمات في عيون الأنواع المذكورة.

قال ابن خلاد وغيره: ينبغي للشيخ أن لا يتصدى للحديث إلا بعد استكمال خمسين سنة، وقال: غيره أربعين سنة، وقد أنكر القاضي عياض ذلك، بأن أقواما حدثوا قبل الأربعين، بل قبل الثلاثين منهم مالك بن أنس، ازدحم الناس عليه، وكثير من مشايخه أحياء.

قال ابن خلاد: فإذا بلغ الثمانين أحببت له أن يمسك خشية أن يكون قد اختلط.

وقد استدركوا عليه بأن جماعة من الصحابة وغيرهم حدثوا بعد هذا السن، منهم أنس بن مالك، وسهل بن سعد، وعبد الله بن أبي أوفى، وخلق ممن بعدهم، وقد حدث آخرون بعد استكمال مائة سنة، منهم الحسن بن عرفة، وأبو القاسم البغوي، وأبو إسحاق الهجيمي، والقاضي أبو الطيب الطبري -أحد الأئمة الشافعية-، وجماعة كثيرون.

لكن إذا كان الاعتماد على حفظ الشيخ الراوي، فينبغي الاحتراز من اختلاطه إذا طعن في السن.

وأما إذا كان الاعتماد على حفظ غيره وحفظه وضبطه، فها هنا كلما كان السن عاليا كان الناس أرغب في السماع عليه كما اتفق لشيخنا أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، فإنه جاوز المائة محققا، سمع على الزبيدي سنة ثلاثين وستمائة صحيح البخاري، وأسمعه في سنة ثلاثين وسبع مائة، وكان شيخا كبيرا عاميا، لا يضبط شيئا، ولا يتعقل كثيرا من المعاني الظاهرة، ومع هذا تداعى الناس إلى السماع منه عند تفرده عن الزبيدي، فسمع منه نحو من مائة ألف أو يزيدون.

قالوا: وينبغي أن يكون المحدث جميل الأخلاق حسن الطريقة، صحيح النية فإن عزبت نيته عن الخير فليسمع، فإن العلم يرشد إليه، قال: بعض السلف طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله.

وقالوا: لا ينبغي أن يحدث بحضرة من هو أولى سنا أو سماعا.

بل كره بعضهم التحديث، لمن في البلد أحق منه وينبغي له أن يدل عليه ويرشد إليه، فإن الدين النصيحة.

قالوا: لا ينبغي عقد مجلس التحديث، وليكن المسمع على أكمل الهيئات، كما كان مالك -رحمه الله- إذا حضر مجلس التحديث، توضأ، وربما اغتسل، وتطيب،ولبس أحسن ثيابه، وعلاه الوقار والهيبة، وتمكن في جلوسه، وزبر من يرفع صوته.

وينبغي افتتاح ذلك بقراءة (شيء) من القرآن، تبركا وتيمنا بتلاوته، ثم بعده التحميد الحسن التام، والصلاة على رسول الله ﷺ.

وليكن القارئ حسن الصوت، جيد الأداء، فصيح العبارة، وكلما مر بذكر النبي قال ﷺ قال الخطيب: ويرفع صوته بذلك، وإذا مر بصحابي ترضى عنه.

وحسن أن يثني على شيخه، كما كان عطاء يقول حدثني الحبر البحر ابن عباس وكان وكيع يقول حدثني سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث، وينبغي أن لا يذكر أحدا بلقب يكرهه، فأما لقب يتميز به فلا بأس.
النوع الثامن والعشرون آداب طالب الحديث

ينبغي له، بل يجب عليه، إخلاص النية لله عز وجل فيما يحاوله من ذلك، ولا يكن قصده عرضا من الدنيا، فقد ذكرنا في المهمات الزجر الشديد والتهديد الأكيد على ذلك.

وليبادر إلى سماع العالي في بلده، فإذا استوعب ذلك انتقل إلى أقرب البلاد إليه، أو إلى أعلى ما يوجد في البلدان، وهو الرحلة.

وقد ذكرنا في المهمات مشروعية ذلك، قال إبراهيم بن أدهم -رحمة الله عليه-: إن الله ليدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.

قالوا: وينبغي له أن يستعمل ما يمكنه من فضائل الأعمال الواردة في الأحاديث.

كان بشر بن الحارث الحافي يقول يا أصحاب الحديث أدوا زكاة الحديث، من كل مائتي حديث خمسة أحاديث.

وقال عمرو بن قيس الملائي: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة، تكن من أهله.

قال وكيع: إذا أردت حفظ الحديث فاعمل به.

قالوا ولا يطول على الشيخ في السماع حتى يضجره قال الزهري إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.

وليفد غيره من الطلبة، ولا يكتم شيئا من العلم، فقد جاء الزجر عن ذلك.

قالوا: ولا يستنكف أن يكتب عمن هو دونه في الرواية والدراية

قال وكيع: لا ينبل الرجل حتى يكتب عمن هو فوقه، ومن هو مثله، ومن هو دونه.

قال ابن الصلاح: وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في الاستكثار من الشيوخ، لمجرد الكثرة وصيتها قال: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش.

قال ابن الصلاح: ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على مجرد سماعه وكتبه، من غير فهمه ومعرفته، فيكون قد أتعب نفسه، ولم يظفر بطائل.

ثم حث على سماع الكتب المفيدة من المسانيد والسنن وغيرها.
النوع التاسع والعشرون معرفة الإسناد العالي والنازل

ولما كان معرفة الإسناد من خصائص هذه الأمة، وذلك أنه ليس من أمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادا متصلا غير هذه الأمة.

فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبا فيه، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: الإسناد العالي سنة عمن سلف.

وقيل ليحيى بن معين في مرض موته ما تشتهي؟ قال: بيت خالي، وإسناد عالي.

ولهذا تداعت رغبات كثير من الأئمة النقاد، والجهابذة الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد، طلبا لعلو الإسناد، وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الرامهرمزي في كتابه الفاصل.

ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله.

وقال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر، فيكون الأجر على قدر المشقة، وهذا لا يقابل ما ذكرناه والله أعلم.

وأشرف أنواع العلو ما كان قريبا إلى رسول الله ﷺ.

فأما العلو بقربه إلى إمام حافظ، أو مصنف، أو بتقدم السماع فتلك أمور نسبية.

وقد تكلم الشيخ أبو عمرو هاهنا على (الموافقة)، وهي انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم مثلا (والبدل)، وهو انتهاؤه إلى شيخ شيخه أو مثل شيخه (والمساواة) وهو أن تساوي في إسنادك الحديث لمصنف (والمصافحة) وهي عبارة عن نزولك عنه بدرجة حتى كأنه صافحك به وسمعته منه.

وهذه الفنون توجد كثيرا في كلام الخطيب البغدادي ومن نحا نحوه، قد صنف الحافظ ابن عساكر في ذلك مجلدات وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون.

فأما من قال: إن العالي من الإسناد ما صح سنده، وإن كثرت رجاله، فهذا اصطلاح خاص، وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان، لكن أقرب رجالا؟ وهذا القول محكي عن الوزير نظام الملك، وعن الحافظ السلفي.

وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو اللهم إلا أن يكون رجال الإسناد النازل أجل من رجال العالي، وإن كان الجميع ثقات.

كما قال وكيع لأصحابه: أيما أحب إليكم الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ فقالوا: الأول، فقال الأعمش عن أبي وائل، شيخ عن شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود، فقيه عن فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء أحب إلينا مما يتداوله الشيوخ.
النوع الثلاثون معرفة المشهور

والشهرة أمر نسبي، فقد يشتهر عند أهل الحديث أو يتواتر ما ليس عند غيرهم بالكلية.

ثم قد يكون المشهور متواترا أو مستفيضا، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة.

وعن القاضي الماوردي أن المستفيض أقوى من المتواتر وهذا اصطلاح منه.

وقد يكون المشهور صحيحا، كحديث "الأعمال بالنيات وحسنا.

وقد يشتهر بين الناس أحاديث لا أصل لها، أو هي موضوعة بالكلية وهذا كثير جدا، ومن نظر في كتاب الموضوعات لأبي الفرج بن الجوزي عرف ذلك، وقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: أربعة أحاديث تدور بين الناس في الأسواق لا أصل لها: "من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة" و "من آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة" و "نحركم يوم صومكم" و "للسائل حق، وإن جاء على فرس" .
النوع الحادي والثلاثون معرفة الغريب من العزيز

أما الغرابة فقد تكون في المتن، بأن يتفرد بروايته راو واحد، أو في بعضه، كما إذا زاد فيه واحد زيادة لم يقلها غيره وقد تقدم الكلام في زيادة الثقة.

وقد تكون الغرابة في الإسناد، كما إذا كان أصل الحديث محفوظا من وجه آخر أو وجوه، ولكنه بهذا الإسناد غريب.

فالغريب ما تفرد به واحد، وقد يكون ثقة، وقد يكون ضعيفا، ولكل حكمه.

فإن اشترك اثنان أو ثلاثة في روايته عن الشيخ، سمي "عزيزا"، فإن رواه عنه جماعة، سمي "مشهورا"، كما تقدم والله أعلم.
النوع الثاني والثلاثون معرفة غريب ألفاظ الحديث

وهو من المهمات المتعلقة بفهم الحديث والعلم والعمل به، لا بمعرفة صناعة الإسناد وما يتعلق به.

قال الحاكم: أول من صنف في ذلك النضر بن شميل، وقال غيره أبو عبيدة معمر بن المثنى.

وأحسن شيء وضع في ذلك كتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وقد استدرك عليه ابن قتيبة أشياء، وتعقبهما الخطابي، فأورد زيادات.

وقد صنف ابن الأنباري المتقدم، وسليم الرازي، وغير واحد.

وأجل كتاب يوجد فيه مجامع ذلك كتاب (الصحاح) للجوهري وكتاب (النهاية) لابن الأثير، -رحمهما الله-.
النوع الثالث والثلاثون معرفة المسلسل

وقد يكون في صفة الرواية، كما إذا قال كل منهم "سمعت"، أو "حدثنا"، أو "أخبرنا"، ونحو ذلك أو في صفة الراوي، بأن يقول حالة الرواية قولا قد قاله شيخه له، أو يفعل فعلا فعل شيخه مثله.

ثم قد يتسلسل الحديث من أوله إلى آخره، وقد ينقطع بعضه من أوله أو آخره.

وفائدة التسلسل بعده من التدليس والانقطاع ومع هذا قلما يصح حديث بطريق مسلسل والله أعلم.
النوع الرابع والثلاثون معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

وهذا الفن ليس من خصائص هذا الكتاب، بل هو بأصول الفقه أشبه.

وقد صنف الناس في ذلك كتبا كثيرة مفيدة، من أجلها كتاب الحافظ الفقيه أبي بكر الحازمي -رحمه الله-.

وقد كانت للشافعي -رحمه الله- في ذلك اليد الطولى، كما وصفه به الإمام أحمد بن حنبل.

ثم الناسخ قد يعرف من رسول الله ﷺ، كقوله « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها » ونحو ذلك.

وقد يعرف ذلك بالتأريخ وعلم السيرة، وهو من أكبر العون على ذلك، كما سلكه الشافعي في حديث « أفطر الحاجم والمحجوم » وذلك قبل الفتح، في شأن جعفر بن أبي طالب، وقد قتل بمؤتة، قبل الفتح بأشهر، وقول ابن عباس « احتجم وهو صائم محرم » وإنما أسلم ابن عباس مع أبيه في الفتح.

فأما قول الصحابي "هذا ناسخ لهذا"، فلم يقبله كثير من الأصوليين، لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يخطئ فيه، وقبلوا قوله "هذا كان قبل هذا"؛ لأنه ناقل وهو ثقة مقبول الرواية.
النوع الخامس والثلاثون معرفة ضبط ألفاظ الحديث متنا وإسنادا

والاحتراز من التصحيف فيها

فقد وقع من ذلك شيء كثير لجماعة من الحفاظ وغيرهم، ممن ترسم بصناعة الحديث وليس منهم، وقد صنف العسكري في ذلك مجلدا كبيرا.

وأكثر ما يقع ذلك لمن أخذ من الصحف، ولم يكن له شيخ حافظ يوقفه على ذلك.

وما ينقله كثير من الناس عن عثمان بن أبي شيبة أنه كان يصحف قراءة القرآن فغريب جدا؛ لأن له كتابا في التفسير، وقد نقل عنه أشياء لا تصدر عن صبيان المكاتب، وأما ما وقع لبعض المحدثين من ذلك، فمنه ما يكاد اللبيب يضحك منه، كما حكي عن بعضهم أنه جمع طرق حديث « يا أبا عمير، ما فعل النغير؟ » ثم أملاه في مجلسه على من حضره من الناس فجعل يقول يا أبا عمير ما فعل البعير!، فافتضح عندهم، وأرخوها عنه!

وكذا اتفق لبعض مدرسي النظامية ببغداد أنه أول يوم إجلاسه أورد حديث « صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين » فقال: كناز في غلس! فلم يفهم الحاضرون ما يقول، حتى أخبرهم بأنه تصحف عليه كتاب في عليين!.

وهذا كثير جدا وقد أورد ابن الصلاح أشياء كثيرة.

وقد كان شيخنا الحافظ الكبير الجهبذ أبو الحجاج المزي -تغمده الله برحمته-، من أبعد الناس عن هذا المقام، ومن أحسن الناس أداء للإسناد والمتن، بل لم يكن على وجه الأرض -فيما نعلم- مثله في هذا الشأن أيضا وكان إذا تغرب عليه أحد برواية (شيء) مما يذكره بعض الشراح على خلاف المشهور عنده، يقول هذا من التصحيف الذي لم يقف صاحبه إلا على مجرد الصحف والأخذ منها.
النوع السادس والثلاثون معرفة مختلف الحديث

وقد صنف فيه الشافعي فصلا طويلا من كتابه "الأم" نحوا من مجلد.

وكذلك ابن قتيبة، له فيه مجلد مفيد وفيه ما هو غث، وذلك بحسب ما عنده من العلم.

والتعارض بين الحديثين قد يكون بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه، كالناسخ والمنسوخ، فيصار إلى الناسخ والمنسوخ وقد يكون بحيث يمكن الجمع، ولكن لا يظهر لبعض المجتهدين، فيتوقف حتى يظهر له وجه الترجيح بنوع من أقسامه، أو يهجم فيفتي بواحد منهما، أو يفتي بهذا في وقت، وبهذا في وقت، كما يفعل أحمد في الروايات عن الصحابة.

وقد كان الإمام أبو بكر ابن خزيمة يقول ليس ثم حديثان متعارضان من كل وجه؛ ومن وجد شيئا من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما.
النوع السابع والثلاثون معرفة المزيد في (متصل) الأسانيد

وهو أن يزيد راو في الإسناد رجلا لم يذكره غيره وهذا يقع كثيرا في أحاديث متعددة وقد صنف الحافظ الخطيب البغدادي في ذلك كتابا حافلا قال ابن الصلاح: وفي بعض ما ذكره نظر.

ومثل ابن الصلاح هذا النوع بما رواه بعضهم عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عبد الله بن يزيد بن جابر حدثني بسر عن عبد الله سمعت أبا إدريس يقول سمعت واثلة بن الأسقع سمعت أبا مرثد الغنوي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول « لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها » ورواه آخرون عن ابن المبارك، فلم يذكروا سفيان، وقال أبو حاتم الرازي وهم ابن المبارك في إدخاله أبا إدريس في الإسناد وهاتان زيادتان.
النوع الثامن والثلاثون معرفة الخفي من المراسيل

وهو يعم المنقطع والمعضل أيضا وقد صنف البغدادي في ذلك كتابه المسمى (بالتفصيل لمبهم المراسيل)

وهذا النوع إنما يدركه نقاد الحديث وجهابذته قديما وحديثا، وقد كان شيخنا الحافظ المزي إماما في ذلك، وعجبا من العجب، -فرحمه الله وبل بالمغفرة ثراه-.

فإن الإسناد إذا عرض على كثير من العلماء، ممن لم يدرك ثقات الرجال وضعفاءهم، قد يغتر بظاهره، ويرى رجاله ثقات، فيحكم بصحته، ولا يهتدي لما فيه من الانقطاع، أو الإعضال، أو الإرسال؛ لأنه قد لا يميز الصحابي من التابعي والله الملهم للصواب.

ومثل هذا النوع ابن الصلاح بما روى العوام بن حوشب عن عبد الله بن أبي أوفى قال: « كان رسول الله ﷺ إذا قال بلال قد قامت الصلاة نهض وكبر » قال الإمام أحمد: لم يلق العوام ابن أبي أوفى، يعني فيكون منقطعا بينهما، فيضعف الحديث، لاحتمال أنه رواه عن رجل ضعيف عنه والله أعلم.
النوع التاسع والثلاثون معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين

والصحابي من رأى رسول الله ﷺ في حال إسلام الرائي، وإن لم تطل صحبته له، وإن لم يرو عنه شيئا هذا قول جمهور العلماء، خلفا وسلفا.

وقد نص على أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة البخاري وأبو زرعة، وغير واحد ممن صنف في أسماء الصحابة، كابن عبد البر، وابن منده وأبي موسى المديني، وابن الأثير في كتابه "الغابة في معرفة الصحابة"، وهو أجمعها وأكثرها فوائد وأوسعها -أثابهم الله أجمعين-.

قال ابن الصلاح: وقد شان ابن عبد البر كتابه "الاستيعاب" بذكر ما شجر بين الصحابة مما تلقاه من كتب الأخباريين وغيرهم.

وقال آخرون: لا بد من إطلاق الصحبة مع الرؤية أن يروي حديثا أو حديثين.

وعن سعيد بن المسيب: لا بد من أن يصحبه سنة أو سنتين، أو يغزو معه غزوة أو غزوتين وروى شعبة عن موسى السبلاني، -وأثنى عليه خيرا-، قال: قلت لأنس بن مالك: هل بقي من أصحاب رسول الله ﷺ أحد غيرك؟ قال ناس من الأعراب رأوه، فأما من صحبه فلا رواه مسلم بحضرة أبي زرعة.

وهذا إنما نفى فيه الصحبة الخاصة، ولا ينفي ما اصطلح عليه الجمهور من أن مجرد الرؤية كاف في إطلاق الصحبة، لشرف رسول الله ﷺ وجلالة قدره وقدر من رآه من المسلمين ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث « تغزون فيقال: هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ؟ فيقولون نعم، فيفتح لكم حتى ذكر من رأى من رأى رسول الله ﷺ. » الحديث بتمامه.

وقال بعضهم، في معاوية وعمر بن عبد العزيز ليوم شهده معاوية مع رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته.

(فرع)

والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل.

وأما ما شجر بينهم بعده -عليه الصلاة والسلام-، فمنه ما وقع عن غير قصد، كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد، كيوم صفين والاجتهاد يخطئ ويصيب، ولكن صاحبه معذور، وإن أخطأ، ومأجور أيضا، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه -رضي الله عنهم أجمعين-.

وقول المعتزلة الصحابة عدول إلا من قاتل عليا: قول باطل مرذول ومردود.

وقد ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال عن ابن بنته الحسن بن علي، وكان معه على المنبر «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ».

وظهر مصداق ذلك في نزول الحسن لمعاوية عن الأمر، بعد موت أبيه علي، واجتمعت الكلمة على معاوية، وسمي "عام الجماعة" وذلك سنة أربعين من الهجرة فسمى الجميع "مسلمين" وقال تعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } [13] فسماهم "مؤمنين" مع الاقتتال.

ومن كان من الصحابة مع معاوية يقال لم يكن في الفريق مائة من الصحابة، والله أعلم وجميعهم صحابة، فهم عدول كلهم.

وأما طوائف الروافض وجهلهم وقلة عقلهم، ودعاويهم أن الصحابة كفروا إلا سبعة عشر صحابيا، وسموهم فهو من الهذيان بلا دليل إلا مجرد الرأي الفاسد، عن ذهن بارد، وهوى متبع، وهو أقل من أن يرد والبرهان على خلافه أظهر وأشهر، مما علم من امتثالهم أوامره بعده -عليه الصلاة والسلام-، وفتحهم الأقاليم والآفاق، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس إلى طريق الجنة، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، في سائر الأحيان والأوقات، مع الشجاعة والبراعة، والكرم والإيثار، والأخلاق الجميلة التي لم تكن (في) أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، -فرضي الله عنهم أجمعين، ولعن من يتهم الصادق ويصدق الكاذبين- آمين يا رب العالمين.

وأفضل الصحابة، بل أفضل الخلق بعد الأنبياء عليهم السلام أبو بكر عبد الله بن عثمان (أبي قحافة) التيمي، خليفة رسول الله ﷺ وسمي بالصديق لمبادرته إلى تصديق الرسول -عليه الصلاة والسلام- قبل الناس كلهم، قال رسول الله ﷺ: « ما دعوت أحدا إلى الإيمان إلا كانت له كبوة، إلا أبا بكر، فإنه لم يتلعثم » وقد ذكرت سيرته وفضائله ومسنده والفتاوى عنه، في مجلد على حدة، ولله الحمد.

ثم من بعده عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم علي بن أبي طالب.

هذا رأي المهاجرين والأنصار حين جعل عمر الأمر من بعده شورى بين ستة، فانحصر في عثمان وعلي، واجتهد فيهما عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها، حتى سأل النساء في خدورهن، والصبيان في المكاتب، فلم يرهم يعدلون بعثمان أحدا، فقدمه على علي، وولاه الأمر قبله، ولهذا قال الدارقطني: من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار وصدق -رضي الله عنه وأكرم مثواه، وجعل جنة الفردوس مأواه-.

والعجب أنه ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم علي على عثمان ويحكى عن سفيان الثوري، لكن يقال: إنه رجع عنه، ونقل مثله عن وكيع بن الجراح،ونصره ابن خزيمة والخطابي، وهو ضعيف مردود بما تقدم.

ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية.

وأما السابقون الأولون، فقيل هم من صلى (إلى) القبلتين، وقيل أهل بدر، وقيل بيعة الرضوان، وقيل غير ذلك، والله أعلم.

(فرع)

قال الشافعي: روى عن رسول الله ﷺ ورآه من المسلمين نحو من ستين ألفا وقال أبو زرعة الرازي: شهد معه حجة الوداع أربعون ألفا، وكان معه بتبوك سبعون ألفا، وقبض -عليه الصلاة والسلام- عن مائة ألف وأربعة عشر ألفا من الصحابة.

قال أحمد بن حنبل: وأكثرهم رواية ستة أنس، وجابر، وابن عباس، وابن عمر، وأبو هريرة، وعائشة.

(قلت) وعبد الله بن عمرو، وأبو سعيد، وابن مسعود، ولكنه توفي قديما، ولهذا لم يعده أحمد بن حنبل في العبادلة، بل قال: العبادلة أربعة عبد الله بن الزبير، وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

(فرع)

وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وقيل إنه أول من أسلم مطلقا ومن الولدان علي، وقيل إنه أول من أسلم مطلقا، ولا دليل عليه من وجه يصح ومن الموالي زيد بن حارثة ومن الأرقاء بلال ومن النساء خديجة، وقيل إنها أول من أسلم مطلقا، وهو ظاهر السياقات في أول البعثة، وهو محكي عن ابن عباس والزهري، وقتادة ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي وجماعة، وادعى الثعلبي المفسر على ذلك الإجماع قال: وإنما الخلاف فيمن أسلم بعدها.

(فرع)

وآخر الصحابة موتا أنس بن مالك ثم أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، قال علي بن المديني: وكانت وفاته بمكة فعلى هذا هو آخر من مات بها ويقال: آخر من مات بمكة ابن عمر وقيل جابر، والصحيح أن جابرا مات بالمدينة، وكان آخر من مات بها وقيل سهل بن سعد وقيل السائب بن يزيد وبالبصرة أنس وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى وبالشام عبد الله بن بسر بحمص وبدمشق واثلة بن الأسقع وبمصر عبد الله بن الحارث بن جزء وباليمامة الهرماس بن زياد، وبالجزيرة العرس بن عميرة وبإفريقية رويفع بن ثابت وبالبادية سلمة بن الأكوع رضي الله عنهم.

(فرع)

وتعرف صحبة الصحابة تارة بالتواتر، وتارة بأخبار مستفيضة، وتارة بشهادة غيره من الصحابة له، وتارة بروايته عن النبي ﷺ سماعا أو مشاهدة مع المعاصرة.

(فرع)

فأما إذا قال المعاصر العدل "أنا صحابي" فقد قال ابن الحاجب في مختصره: احتمل الخلاف، يعني؛ لأنه يخبر عن حكم شرعي، كما لو قال في الناسخ: "هذا ناسخ لهذا" لاحتمال خطئه في ذلك.

أما لو قال: "سمعت رسول الله ﷺ قال كذا" أو "رأيته فعل كذا"، أو "كنا عند رسول الله ﷺ"، ونحو هذا، فهذا مقبول لا محالة، إذا صح السند إليه، وهو ممن عاصره ﷺ.
النوع الموفي أربعين معرفة التابعين

قال الخطيب البغدادي التابعي: من صحب الصحابي وفي كلام الحاكم ما يقتضي إطلاق التابعي على من لقي الصحابي وروى عنه، وإن لم يصحبه.

(قلت) لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي، كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه -عليه السلام- والفرق عظمة وشرف رؤيته -عليه السلام-.

وقد قسم الحاكم طبقات التابعين إلى خمس عشرة طبقة فذكر أن أعلاهم من روى عن العشرة، وذكر منهم سعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وقيس بن عباد، وأبا عثمان النهدي، وأبا وائل، وأبا رجاء العطاردي، وأبا ساسان حضين بن المنذر، وغيرهم وعليه في هذا الكلام دخل كثير، فقد قيل إنه لم يرو عن العشرة من التابعين سوى قيس بن أبي حازم قاله ابن خراش وقال أبو بكر بن أبي داود: لم يسمع من عبد الرحمن بن عوف والله أعلم.

وأما سعيد بن المسيب فلم يدرك الصديق، قولا واحدا؛ لأنه ولد في خلافة عمر لسنتين مضتا أو بقيتا، ولهذا اختلف في سماعه من عمر، قال الحاكم: أدرك عمر فمن بعده من العشرة، وقيل إنه لم يسمع من أحد من العشرة سوى سعد بن أبي وقاص، وكان آخرهم وفاة والله أعلم.

قال الحاكم: وبين هؤلاء التابعين الذين ولدوا في حياة النبي ﷺ من أبناء الصحابة، كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وأبي إدريس الخولاني.

(قلت) أما عبد الله بن أبي طلحة فلما ولد ذهب به أخوه لأمه أنس بن مالك إلى رسول الله ﷺ، فحنكه وبرك عليه، وسماه "عبد الله"، ومثل هذا ينبغي أن يعد من صغار الصحابة، لمجرد الرؤية، ولقد عدوا فيهم محمد بن أبي بكر الصديق، وإنما ولد عند الشجرة وقت الإحرام بحجة الوداع، فلم يدرك من حياته ﷺ إلا نحوا من مائة يوم ولم يذكروا أنه أحضر عند النبي ﷺ ولا رآه، فعبد الله بن أبي طلحة أولى أن يعد في صغار الصحابة من محمد بن أبي بكر والله أعلم.

وقد ذكر الحاكم النعمان؛ وسويدا، ابني مقرن من التابعين، وهما صحابيان.

وأما المخضرمون، فهم الذين أسلموا في حياة رسول الله ﷺ ولم يروه.

و"الخضرمة" القطع، فكأنهم قطعوا عن نظرائهم من الصحابة.

وقد عد منهم مسلم نحوا من عشرين نفسا، منهم أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، وأبو عثمان النهدي، وأبو الحلال العتكي، وعبد خير بن يزيد الخيواني، وربيعة بن زرارة، قال ابن الصلاح: وممن لم يذكره مسلم أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب.

(قلت) وعبد الله بن عكيم، والأحنف بن قيس.

وقد اختلفوا في أفضل التابعين من هو؟

فالمشهور أنه سعيد بن المسيب، قاله أحمد بن حنبل وغيره وقال أهل البصرة: الحسن وقال أهل الكوفة: علقمة، والأسود وقال بعضهم: أويس القرني.. وقال أهل مكة: عطاء بن أبي رباح.

وسيدات النساء من التابعين حفصة بنت سيرين وعمرة بنت عبد الرحمن، وأم الدرداء الصغرى -رضي الله عنهم أجمعين-.

ومن سادات التابعين الفقهاء السبعة بالحجاز، وهم سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والسابع سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.

وقد عد علي بن (المديني) في التابعين من ليس منهم، كما أخرج آخرون منهم من هو معدود فيهم، وكذلك ذكروا في الصحابة من ليس صحابيا كما عدوا جماعة من الصحابة فيمن ظنوه تابعيا، وذلك بحسب مبلغهم من العلم والله الموفق للصواب.
النوع الحادي والأربعون معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر

قد يروي الكبير القدر أو السن أو هما عمن دونه في كل منهما أو فيهما.

ومن أج‍ل ما يذكر في هذا الباب ما ذكره رسول الله ﷺ في خطبته عن تميم الداري مما أخبره به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر والحديث في الصحيح.

وكذلك في صحيح البخاري رواية معاوية بن أبي سفيان عن مالك بن يخامر عن معاذ، وهم بالشام، في حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ».

قال ابن الصلاح: وقد روى العبادلة عن كعب الأحبار.

(قلت) وقد حكى عنه عمر، وعلي، وجماعة من الصحابة.

وقد روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، وهما من شيوخه، وكذا روى عن عمرو بن شعيب جماعة من الصحابة والتابعين، قيل (عشرون)، ويقال: بضع وسبعون فالله أعلم ولو سردنا جميع ما وقع من ذلك لطال الفصل جدا.

قال ابن الصلاح: وفي التنبيه على ذلك من الفائدة معرفة الراوي من المروي عنه قال: صح عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: « أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم ».
النوع الثاني والأربعون معرفة المدبج

وهو رواية الأقران سنا وسندا واكتفى الحاكم بالمقارنة في السند، وإن تفاوتت الأسنان فمتى روى كل منهم عن الآخر سمي "مدبجا" كأبي هريرة وعائشة، والزهري وعمر بن عبد العزيز، ومالك والأوزاعي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني، فما لم يرو عن الآخر لا يسمى "مدبجا" والله أعلم.
النوع الثالث والأربعون معرفة الإخوة والأخوات من الرواة

وقد صنف في ذلك جماعة منهم علي بن المديني، وأبو عبد الرحمن النسائي.

فمن أمثلة الأخوين:.

عبد الله بن مسعود وأخوه عتبة، عمرو بن العاص وأخوه هشام؛ وزيد بن ثابت وأخوه يزيد.

ومن التابعين عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة وأخوه أرقم، كلاهما من أصحاب ابن مسعود، ومن أصحابه أيضا هزيل بن شرحبيل، وأخوه أرقم.

ثلاثة إخوة

سهل وعباد وعثمان بنو حنيف عمرو بن شعيب وأخواه عمر، وشعيب وعبد الرحمن زيد بن أسلم وأخواه أسامة، وعبد الله.

أربعة إخوة

سهيل بن أبي صالح وإخوته عبد الله -الذي يقال له عباد- ومحمد، وصالح.

خمسة إخوة

سفيان بن عيينة وإخوته الأربعة إبراهيم، وآدم، وعمران، ومحمد قال الحاكم سمعت الحافظ أبا علي الحسين بن علي -يعني النيسابوري- يقول كلهم حدثوا.

ستة إخوة

وهم محمد بن سيرين وإخوته أنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة كذا ذكرهم النسائي ويحيى بن معين أيضا، ولم يذكر الحافظ أبو علي النيسابوري فيهم "كريمة" فعلى هذا يكونون من القسم الذي قبله، وكان معبد أكبرهم، وحفصة أصغرهم، وقد روى محمد بن سيرين عن أخيه يحيى عن أخيه أنس عن مولاهم أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: « لبيك حقا حقا، تعبدا ورقا ».

ومثال سبعة إخوة

النعمان بن مقرن وإخوته سنان، وسويد، وعبد الرحمن، وعقيل، ومعقل، ولم يسم السابع، هاجروا وصحبوا النبي ﷺ، ويقال: إنهم شهدوا الخندق كلهم، قال ابن عبد البر وغير واحد: لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة.

(قلت) وثم سبعة إخوة صحابة، شهدوا كلهم بدرا، ولكنهم لأم، وهي عفراء بنت عبيد، تزوجت أولا بالحارث بن رفاعة الأنصاري، فأولدها معاذا ومعوذا، ثم تزوجت بعد طلاقه لها بالبكير بن عبد ياليل بن ناشب، فأولدها إياسا وخالدا وعاقلا وعامرا، ثم عادت إلى الحارث، فأولدها عونا فأربعة منهم أشقاء، وهم بنو البكير، وثلاثة أشقاء، وهم بنو الحارث، وسبعتهم شهدوا بدرا مع رسول الله ﷺ، ومعاذ ومعوذ ابنا عفراء، هما اللذان أثبتا أبا جهل عمرو بن هشام المخزومي، ثم احتز رأسه وهو طريح عبد الله بن مسعود الهذلي -رضي الله عنهم-.
النوع الرابع والأربعون معرفة رواية الآباء عن الأبناء

وقد صنف فيه الخطيب كتابا.

وقد ذكر الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في بعض كتبه أن أبا بكر الصديق روى عن ابنته عائشة وروت عنها أمها أم رومان أيضا.

قال: روى العباس عن ابنيه عبد الله والفضل.

قال: وروى سليمان بن طرخان التيمي عن ابنه المعتمر بن سليمان وروى أبو داود عن ابنه أبي بكر بن أبي داود قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح وروى سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: « أخروا الأحمال، فإن اليد مغلقة، والرجل موثقة » قال الخطيب: لا يعرف إلا من هذا الوجه.

قال: وروى أبو عمر حفص بن عمر الدوري المقرئ عن ابنه أبي جعفر محمد ستة عشر حديثا أو نحوها، وذلك أكثر ما وقع من رواية أب عن ابنه.

ثم روى الشيخ أبو عمرو عن أبي المظفر عبد الرحيم بن الحافظ أبي سعد عن أبيه عن ابنه أبي المظفر بسنده عن أبي أمامة مرفوعا « أحضروا موائدكم البقل، فإنه مطردة للشيطان مع التسمية » سكت عليه الشيخ أبو عمرو، وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات، وأخلق به أن يكون كذلك.

ثم قال ابن الصلاح: وأما الحديث الذي رويناه عن أبي بكر الصديق عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحبة السوداء: « شفاء من كل داء » فهو غلط، إنما رواه أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة، -رضي الله عنهم- وكذلك قال ابن الجوزي وغير واحد من الأئمة.

(قلت) ويلتحق بهم تقريبا عبد الله بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أسن وأشهر في الصحابة من محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر والله أعلم.

قال ابن الجوزي: وقد روى حمزة والعباس عن ابن أخيهما رسول الله ﷺ.

وروى مصعب الزبيري عن ابن أخيه الزبير بن بكار، وإسحاق بن حنبل عن ابن أخيه أحمد بن محمد بن حنبل وروى مالك عن ابن أخته إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس.
النوع الخامس والأربعون رواية الأبناء عن الآباء

وذلك كثير جدا وأما رواية الابن عن أبيه عن جده، فكثيرة أيضا، ولكنها دون الأول، وهذا كعمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو عن أبيه، وهو شعيب، عن جده، عبد الله بن عمرو بن العاص، هذا هو الصواب، لا ما عداه، وقد تكلمنا على ذلك في مواضع في كتابنا التكميل، وفي الأحكام الكبير والصغير.

ومثل بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده معاوية ومثل طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وهو عمرو بن كعب وقيل كعب بن عمرو واستقصاء ذلك يطول.

وقد صنف فيه الحافظ أبو نصر الوائلي كتابا حافلا، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة.

وقد يقع في بعض الأسانيد فلان عن أبيه عن أبيه عن أبيه، وأكثر من ذلك، ولكنه قليل، وقل ما يصح منه والله أعلم.
النوع السادس والأربعون معرفة رواية السابق واللاحق

وقد أفرد له الخطيب كتابا وهذا إنما يقع عند رواية الأكابر عن الأصاغر ثم يروي عن المروي عنه متأخر.

كما روى الزهري عن تلميذه مالك بن أنس، وقد توفي الزهري سنة أربع وعشرين ومائة، وممن روى عن مالك زكريا بن دويد الكندي، وكانت وفاته بعد وفاة الزهري بمائة وسبع وثلاثين سنة أو أكثر قاله ابن الصلاح.

وهكذا روى البخاري عن محمد بن إسحاق السراج، وروى عن السراج أبو الحسن أحمد بن محمد الخفاف النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة، فإن البخاري توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وتوفي الخفاف سنة أربع أو خمس وتسعين وثلاثمائة كذا قال ابن الصلاح.

(قلت) وقد أكثر من التعرض لذلك شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي في كتابه "التهذيب" وهو مما يتحلى به كثير من المحدثين، وليس من المهمات فيه.
النوع السابع والأربعون معرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من صحابي وتابعي وغيرهم

ولمسلم بن الحجاج تصنيف في ذلك.

تفرد عامر الشعبي عن جماعة من الصحابة، منهم عامر بن شهر، وعروة بن مضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري، ومحمد بن صيفي الأنصاري، وقد قيل إنهما واحد، والصحيح أنهما اثنان، ووهب بن خنبش، ويقال: هرم بن خنبش والله أعلم.

وتفرد سعيد بن المسيب بن حزن بالرواية عن أبيه وكذلك حكيم بن معاوية بن حيدة عن (أبيه) وكذلك شتير بن شكل بن حميد عن أبيه.

وكذلك قيس بن أبي حازم، تفرد بالرواية عن أبيه، وعن دكين بن سعد المزني، وصنابح بن الأعسر، ومرداس بن مالك الأسلمي وكل هؤلاء صحابة.

قال ابن الصلاح: وقد ادعى الحاكم في الإكليل أن البخاري ومسلما لم يخرجا في صحيحيهما شيئا من هذا القبيل.

قال: وقد أنكر ذلك عليه، ونقض بما رواه البخاري ومسلم عن سعيد بن المسيب عن أبيه، ولم يروه عنه غيره، في وفاة أبي طالب وروى البخاري من طريق قيس بن أبي حازم عن مرداس الأسلمي حديث « يذهب الصالحون الأول فالأول » وبرواية الحسن عن عمرو بن تغلب، ولم يرو عنه، حديث «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه » وروى مسلم حديث الأغر المزني «إنه ليغان على قلبي » ولم يرو عنه غير أبي بردة وحديث رفاعة بن عمرو، ولم يرو عنه غير عبد الله بن الصامت، وحديث أبي رفاعة، ولم يرو عنه غير حميد بن هلال العدوي وغير ذلك عندهما.

ثم قال ابن الصلاح: وهذا مصير منهما إلى أن ترتفع الجهالة عن الراوي برواية واحد عنه.

(قلت) أما رواية العدل عن شيخ، فهل هي تعديل أم لا؟ في ذلك خلاف مشهور، ثالثها إن (اشترط) العدالة في شيوخه، كمالك ونحوه، فتعديل، وإلا فلا.

وإذا لم نقل إنه تعديل فلا تضر جهالة الصحابي؛ لأنهم كلهم عدول، بخلاف غيرهم، فلا يصح ما استدرك به الشيخ أبو عمرو -رحمه الله-؛ لأن جميع من تقدم ذكرهم صحابة والله أعلم.

أما التابعون

فقد تفرد -فيما نعلم- حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه بحديث « أما تكون الذكاة إلا في اللبة؟ فقال: أما لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك ».

ويقال: إن الزهري تفرد عن نيف وعشرين تابعيا وكذلك تفرد عمرو بن دينار، وهشام بن عروة، وأبو إسحاق السبيعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري عن جماعة من التابعين.

وقال الحاكم: وقد تفرد مالك عن زهاء عشرة من شيوخ المدينة، (لم يرو عنهم غيره).
النوع الثامن والأربعون معرفة من له أسماء متعددة

فيظن بعض الناس أنهم (أشخاص) متعددة، أو يذكر ببعضها، أو بكنيته، فيعتقد من لا خبرة له أنه غيره.

وأكثر ما يقع ذلك من المدلسين، (يغربون به على الناس)، فيذكرون الرجل باسم ليس هو مشهورا به، أو يكنونه، ليبهموه على من لا يعرفها، وذلك كثير.

وقد صنف الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري في ذلك كتابا، وصنف الناس كتب الكنى، وفيها إرشاد إلى (إظهار تدليس المدلسين).

ومن أمثلة ذلك

محمد بن السائب الكلبي، وهو ضعيف، لكنه عالم (بالتفسير) وبالأخبار فمنهم من يصرح باسمه هذا، ومنهم من يقول حماد بن السائب، ومنهم من يكنيه بأبي النضر، ومنهم من يكنيه بأبي سعيد، قال ابن الصلاح: وهو الذي يروي عنه عطية العوفي التفسير، موهما أنه أبو سعيد الخدري.

وكذلك سالم أبو عبد الله المدني

المعروف بسبلان، الذي يروي عن أبي هريرة، ينسبونه في ولائه إلى جهات متعددة وهذا كثير جدا، والتدليس أقسام كثيرة، كما تقدم والله أعلم.
النوع التاسع والأربعون معرفة الأسماء المفردة والكنى التي لا يكون منها في كل حرف سواه

وقد صنف في ذلك الحافظ أحمد بن هارون البرديجي وغيره ويوجد ذلك كثيرا في كتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، وغيره، وفي كتاب الإكمال لأبي نصر بن ماكولا كثيرا.

وقد ذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح طائفة من الأسماء المفردة، منهم "أجمد" بالجيم "بن عجيان" على وزن "عليان" قال ابن الصلاح: ورأيته بخط ابن الفرات مخففا على وزن "سفيان"، ذكره ابن يونس في الصحابة "أوسط بن عمرو البجلي" تابعي "تدوم بن صبيح الكلاعي" عن تبيع الحميري ابن امرأة كعب الأحبار "حبيب بن الحارث" صحابي "جيلان بن فروة أبو الجلد الأخباري" تابعي "الدجين بن ثابت أبو الغصن"، يقال: إنه جحا.

قال ابن الصلاح: والأصح أنه غيره "زر بن حبيش" سعير بن الخمس" "سندر الخصي"، مولى زنباع الجذامي، له صحبة "شكل بن حميد" صحابي "شمغون" بالشين والغين المعجمتين "بن زيد أبو ريحانة" صحابي، ومنهم من يقول بالعين المهملة "صدي بن عجلان أبو أمامة" صحابي "صنابح بن الأعسر" "ضريب بن نقير بن سمير" كلها بالتصغير "أبو السليل القيسي البصري"، يروي عن معاذ.

"عزوان" بالعين المهملة ابن زيد الرقاشي"، أحد الزهاد، تابعي "كلدة بن حنبل" صحابي "نوف البكالي" تابعي "وابصة بن معبد" صحابي "هبيب بن مغفل" "همدان" بريد عمر بن الخطاب، بالدال المهملة، وقيل بالمعجمة.

وقال ابن الجوزي في بعض مصنفاته

"مسألة"

هل تعرفون رجلا من المحدثين لا يوجد مثل أسماء آبائه؟ فالجواب إنه مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مطربل بن أرندل بن عرندل بن ماسك الأسدي.

قال ابن الصلاح: وأما الكنى المفردة فمنها "أبو العبيدين"، واسمه "معاوية بن سبرة" من أصحاب ابن مسعود "أبو العشراء الدارمي"، تقدم "أبو المدلة"، من شيوخ الأعمش وغيره، لا يعرف اسمه، وزعم أبو نعيم الأصبهاني أن اسمه "عبيد الله بن عبد الله المدني" "أبو مراية العجلي" "عبد الله بن عمرو"، تابعي "أبو معبد" "حفص بن غيلان" الدمشقي عن مكحول.

(قلت) وقد روى عنه نحو من عشرة، ومع هذا قال ابن حزم: هو مجهول؛ لأنه لم يطلع على معرفته، ومن روى عنه فحكم عليه بالجهالة قبل العلم به، كما جهل الترمذي صاحب الجامع، فقال: ومن محمد بن عيسى بن سورة؟

ومن الكنى المفردة "أبو السنابل عبيد ربه بن بعكك" رجل من بني عبد الدار صحابي، اسمه واسم أبيه وكنيته من الأفراد.

قال ابن الصلاح وأما الأفراد من الألقاب فمثل "سفينة" الصحابي اسمه "مهران"، وقيل غير ذلك "مندل بن علي العنزي" اسمه "عمرو" "سحنون سعيد" صاحب المدونة اسمه "عبد السلام" "مطين" "مشكدانة الجعفي"، في جماعة آخرين، سنذكرهم في نوع الألقاب -إن شاء الله تعالى- والله أعلم.
النوع الموفي خمسين: معرفة الأسماء والكنى

وقد صنف في ذلك جماعة من الحفاظ، منهم علي بن المديني، ومسلم، والنسائي، والدولابي، وابن منده، والحاكم أبو أحمد الحافظ، وكتابه في ذلك مفيد جدا كثير النفع.

وطريقتهم أن يذكروا الكنية وينبهوا على صاحبها، ومنهم من لا يعرف اسمه، ومنهم من يختلف فيه.

وقد قسمهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح إلى أقسام عدة:

(أحدها) من ليس له اسم سوى الكنية، كأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، أحد الفقهاء السبعة، ويكنى بأبي عبد الرحمن أيضا وهكذا أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، يكنى بأبي محمد أيضا قال الخطيب البغدادي: ولا نظير لهما في ذلك، وقيل لا كنية لابن حزم هذا.

وممن ليس له اسم سوى كنيته فقط أبو بلال الأشعري عن شريك وغيره، وكذلك كان يقول اسمي كنيتي وأبو حصين ابن يحيى بن سليمان الرازي، شيخ أبي حاتم وغيره.

(القسم الثاني): من لا يعرف بغير كنيته، ولم يوقف على اسمه، منهم "أبو أناس" بالنون الصحابي "أبو مويهبة" صحابي "أبو شيبة" الخدري المدني، قتل في حصار القسطنطينية، ودفن هناك -رحمه الله- "أبو الأبيض" عن أنس "أبو بكر بن نافع شيخ مالك "أبو النجيب" بالنون مفتوحة، ومنهم من يقول بالتاء المثناة من فوق مضمومة، وهو مولى عبد الله بن عمرو "أبو حرب بن أبي الأسود" "أبو حريز الموقفي" شيخ ابن وهب والموقف محلة بمصر.

(الثالث): من له كنيتان، إحداهما لقب، مثاله علي بن أبي طالب، كنيته أبو الحسن، ويقال له: "أبو تراب" لقبا "أبو الزناد" عبد الله بن ذكوان، يكنى بأبي عبد الرحمن، و"أبو الزناد" لقب، حتى قيل إنه كان يغضب من ذلك "أبو الرجال" محمد بن عبد الرحمن، يكنى بأبي عبد الرحمن، و"أبو الرجال" لقب له؛ لأنه كان له عشرة أولاد رجال "أبو تميلة" يحيى بن واضح، كنيته أبو محمد "أبو الآذان" الحافظ عمر بن إبراهيم، يكنى بأبي بكر، ولقب بأبي الآذان لكبر أذنيه "أبو الشيخ" الأصبهاني الحافظ، هو عبد الله (بن محمد) وكنيته أبو محمد، و"أبو الشيخ" لقب "أبو حازم" العبدري الحافظ، عمر بن أحمد، كنيته أبو حفص، و"أبو حازم" لقب قاله الفلكي في الألقاب.

(الرابع): من له كنيتان، كابن جريج، كان يكنى بأبي خالد، وبأبي الوليد، وكان عبد الله العمري يكنى بأبي القاسم، فتركها واكتنى بأبي عبد الرحمن.

"قلت" وكان السهيلي يكنى بأبي القاسم وبأبي عبد الرحمن.

قال ابن الصلاح: وكان لشيخنا منصور بن أبي المعالي النيسابوري، حفيد الفراوي ثلاث كنى أبو بكر، وأبو الفتح، وأبو القاسم والله أعلم.

(الخامس): من له اسم معروف، ولكن اختلف في كنيته، فاجتمع له كنيتان وأكثر، مثاله زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ، وقد اختلف في كنيته، فقيل أبو خارجة، وقيل أبو زيد، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو محمد وهذا كثير يطول استقصاؤه.

(السادس): من عرفت كنيته، واختلف في اسمه، كأبي هريرة -رضي الله عنه- اختلف في اسمه واسم أبيه على أزيد من عشرين قولا، واختار ابن إسحاق أنه عبد الرحمن بن صخر، وصحح ذلك أبو أحمد الحاكم وهذا كثير في الصحابة فمن بعدهم.

"أبو بكر بن عياش" اختلف في اسمه على أحد عشر قولا، وصحح أبو زرعة وابن عبد البر أن اسمه "شعبة"، ويقال إن اسمه كنيته، ورجحه ابن الصلاح، قال: لأنه روي عنه أنه كان يقول ذلك.

(السابع): من اختلف في اسمه وفي كنيته، وهو قليل، كسفينة، قيل اسمه مهران، وقيل عمير، وقيل صالح، وكنيته، قيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو البختري.

(الثامن): من اشتهر باسمه وكنيته كالأئمة الأربعة أبو عبد الله مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وهذا كثير.

(التاسع): من اشتهر بكنيته دون اسمه، وكان اسمه معينا معروفا كأبي إدريس الخولاني عائذ الله بن عبد الله أبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب أبو إسحاق السبيعي عمر بن عبد الله أبو الضحى مسلم بن صبيح أبو الأشعث الصنعاني شراحيل بن آدة أبو حازم سلمة بن دينار وهذا كثير جدا.
النوع الحادي والخمسون: معرفة من اشتهر بالاسم دون الكنية

وهذا كثير جدا، وقد ذكر الشيخ أبو عمرو ممن يكنى بأبي محمد جماعة من الصحابة، منهم الأشعث بن قيس، وثابت بن قيس، وجبير بن مطعم، والحسن بن علي، وحويطب بن عبد العزى، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن بحينة، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن ثعلبة بن صعير، وعبد الله بن زيد صاحب الأذان، وعبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، وكعب بن مالك، ومعقل بن سنان.

وذكر من يكنى منهم بأبي عبد الله وبأبي عبد الرحمن.

ولو تقصينا ذلك لطال الفصل جدا وكان ينبغي أن يكون هذا النوع قسما عاشرا من الأقسام المتقدمة في النوع قبله.
النوع الثاني والخمسون: معرفة الألقاب

وقد صنف في ذلك غير واحد، منهم أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الشيرازي، وكتابه في ذلك مفيد كثير النفع ثم أبو الفضل ابن الفلكي الحافظ.

وفائدة التنبيه على ذلك أن لا يظن أن هذا اللقب لغير صاحب الاسم.

وإذا كان اللقب مكروها إلى صاحبه فإنما يذكره أئمة الحديث على سبيل التعريف والتمييز، لا على وجه الذم واللمز والتنابز والله الموفق للصواب.

قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: رجلان جليلان لزمهما لقبان قبيحان معاوية بن عبد الكريم "الضال"، وإنما ضل في طريق مكة وعبد الله بن محمد "الضعيف"، وإنما كان ضعيفا في جسمه، لا في حديثه.

قال ابن الصلاح: وثالث، وهو "عارم" أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وكان عبدا صالحا بعيدا عن العرامة، والعارم الشرير الفاسد.

(غندر) لقب لمحمد بن جعفر البصري الراوي عن شعبة، ولمحمد بن جعفر الرازي، روى عن أبي حاتم الرازي، ولمحمد بن جعفر البغدادي الحافظ الجوال شيخ الحافظ أبي نعيم الأصبهاني وغيره ولمحمد بن دران البغدادي، روى عن أبي خليفة الجمحي، ولغيرهم.

(غنجار) لقب لعيسى بن موسى التميمي أبي أحمد البخاري، وذلك لحمرة وجنتيه، روى عن مالك والثوري وغيرهما و(غنجار) آخر متأخر، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد البخاري الحافظ، صاحب تاريخ بخارى، توفي سنة ثنتي عشرة وأربعمائة.

(صاعقة) لقب محمد بن عبد الرحيم شيخ البخاري، لقوة حفظه وحسن مذاكرته.

(شباب) هو خليفة بن خياط المؤرخ.

(زنيج) محمد بن عمرو الرازي، شيخ مسلم.

(رسته) عبد الرحمن بن عمر.

(سنيد): هو الحسين بن داود المفسر.

(بندار)محمد بن بشار شيخ الجماعة؛ لأنه كان بندار الحديث.

(قيصر) لقب أبي النضر هاشم بن القاسم شيخ الإمام أحمد بن حنبل.

(الأخفش) لقب لجماعة، منهم أحمد بن عمران البصري النحوي، روى عن زيد بن الحباب، وله غريب الموطأ.

قال ابن الصلاح: وفي النحويين أخفاش ثلاثة مشهورون.

• أكبرهم أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد، وهو الذي ذكره سيبويه في كتابه المشهور

• والثاني أبو الحسن سعيد بن مسعدة، راوي كتاب سيبويه عنه

• والثالث أبو الحسن علي بن سليمان، تلميذ أبوي العباس أحمد بن يحيى (ثعلب)، ومحمد بن يزيد (المبرد)

• (مربع) لقب لمحمد بن إبراهيم الحافظ البغدادي.

• (جزرة) صالح بن محمد الحافظ البغدادي.

• (كيلجة) محمد بن صالح البغدادي أيضا.

• (ماغمة) علي (بن الحسن بن) عبد الصمد البغدادي الحافظ، ويقال: "علان ماغمة" فيجمع له بين اللقبين.

• (عبيد العجل) لقب أبي عبد الله الحسين بن محمد بن حاتم البغدادي الحافظ أيضا.

• قال ابن الصلاح وهؤلاء البغداديون الحفاظ كلهم من تلامذة يحيى بن معين وهو الذي لقبهم بذلك.

• (سجادة) الحسن بن حماد، من أصحاب وكيع، والحسين بن أحمد، شيخ ابن عدي.

• (عبدان) لقب جماعة، فمنهم عبد الله بن عثمان، شيخ البخاري.

• فهؤلاء ممن ذكره الشيخ أبو عمرو، واستقصاء ذلك يطول جدا والله أعلم.
النوع الثالث والخمسون: معرفة المؤتلف والمختلف في الأسماء والأنساب وما أشبه ذلك

ومنه ما تتفق في الخط صورته، وتفترق في اللفظ صيغته.

قال ابن الصلاح: وهو فن جليل، ومن لم يعرفه من المحدثين كثر عثاره، ولم يعدم مخجلا وقد صنف فيه كتب مفيدة، من أكملها الإكمال لابن ماكولا، على إعواز فيه.

"قلت" قد استدرك عليه الحافظ عبد الغني بن نقطة كتابا قريبا من الإكمال، فيه فوائد كثيرة وللحافظ أبي عبد الله البخاري -من المشايخ المتأخرين- كتاب مفيد أيضا في هذا الباب.

ومن أمثلة ذلك "سلام وسلام" "عمارة، وعمارة"، "حزام، حرام"، "عباس، عياش"، "غنام، عثام"، "بشار، يسار"، بشر، بسر"، "بشير، يسير، نسير"، "حارثة، جارية"، "جرير، حريز"، "حبان، حيان"، "رباح، رياح"، "سريج، شريح"، "عباد، عباد" ونحو ذلك.

وكما يقال: "العنسي، والعيشي، والعبسي"، "الحمال، والجمال"، "الخياط، والحناط، والخباط"، "البزار والبزاز"، "الأبلي، والأيلي"، "البصري، والنصري"، "الثوري، والتوزي"، "الجريري، والجريري، والحريري"، "السلمي، والسلمي"، "الهمداني، والهمذاني"، وما أشبه ذلك، وهو كثير.

وهذا إنما يضبط بالحفظ محررا في مواضعه، والله -تعالى- المعين الميسر، وبه المستعان.
النوع الرابع والخمسون: معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب

وقد صنف فيه الخطيب كتابا حافلا.

وقد ذكره الشيخ أبو عمرو أقساما

أحدها أن يتفق اثنان أو أكثر في الاسم واسم الأب مثاله "الخليل بن أحمد" ستة،:

أحدهم النحوي البصري، وهو أول من وضع علم العروض، قالوا: ولم يسم أحد بعد النبي ﷺ بأحمد قبل أبي الخليل بن أحمد، إلا أبا السفر سعيد بن أحمد، في قول ابن معين، وقال غيره سعيد بن يحمد فالله أعلم.

الثاني أبو بشر المزني، بصري أيضا، روى عن المستنير بن أخضر عن معاوية (بن قرة)، وعنه عباس العنبري وجماعة

والثالث أصبهاني، روى عن روح بن عبادة وغيره.

والرابع أبو سعيد السجزي، القاضي الفقيه الحنفي المشهور بخراسان روى عن ابن خزيمة وطبقته.

الخامس أبو سعيد البستي القاضي، حدث عن الذي قبله، وروى عنه البيهقي.

السادس أبو سعيد البستي أيضا، شافعي، أخذ عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني، دخل بلاد الأندلس.

القسم الثاني "أحمد بن جعفر بن حمدان" أربعة القطيعي، والبصري، والدينوري، والطرسوسي

"محمد بن يعقوب بن يوسف" اثنان من نيسابور أبو العباس الأصم، وأبو عبد الله بن الأخرم.

الثالث: "أبو عمران الجوني" اثنان عبد الملك بن حبيب، تابعي، وموسى بن سهل، يروي عن هشام بن عروة.

"أبو بكر بن عياش" ثلاثة القارئ المشهور، والسلمي الباجدائي صاحب كتاب الحديث، توفي سنة أربع ومائتين، وآخر حمصي مجهول.

الرابع: "صالح بن أبي صالح" أربعة.

الخامس: "محمد بن عبد الله الأنصاري" اثنان أحدهما المشهور صاحب الجزء، وهو شيخ البخاري، والآخر ضعيف، يكنى بأبي سلمة.

وهذا باب واسع كبير، كثير الشعب، يتحرر بالعمل والكشف عن الشيء في أوقاته.
النوع الخامس والخمسون: نوع يتركب من النوعين قبله

وللخطيب البغدادي فيه كتابه الذي وسمه بتلخيص المتشابه في الرسم مثاله "موسى بن علي" بفتح العين، جماعة، (موسى بن علي) بضمها، مصري يروي عن التابعين.

ومنه "المخرمي"، والمخرمي".

ومنه "ثور بن يزيد الحمصي"، وثور بن زيد الديلي الحجازي" و"أبو عمر الشيباني" النحوي، إسحاق بن مرار، و"يحيى بن أبي عمرو السيباني".

"عمرو بن زرارة النيسابوري"، شيخ مسلم، و"عمرو بن زرارة" الحدثي يروي عنه أبو القاسم البغوي.
النوع السادس والخمسون: في صنف آخر مما تقدم

ومضمونه في المتشابهين في الاسم واسم الأب أو النسبة، مع المفارقة في المقارنة، هذا متقدم وهذا متأخر.

مثاله

(يزيد بن الأسود) خزاعي صحابي، و(يزيد بن الأسود) الجرشي، أدرك الجاهلية وسكن الشام، وهو الذي استسقى به معاوية.

وأما (الأسود بن يزيد)، فذاك تابعي من أصحاب ابن مسعود.

(الوليد بن مسلم) الدمشقي، تلميذ الأوزاعي، وشيخ الإمام أحمد، ولهم آخر بصري تابعي.

فأما (مسلم بن الوليد رباح) فذاك مدني، يروي عنه الدراوردي وغيره وقد وهم البخاري في تسميته له في تاريخه (بالوليد بن مسلم) والله أعلم.

(قلت) وقد اعتنى شيخنا الحافظ المزي في تهذيبه ببيان ذلك، وميز المتقدم والمتأخر من هؤلاء بيانا حسنا، وقد زدت عليه أشياء حسنة في كتابي (التكميل) ولله الحمد.
النوع السابع والخمسون معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم

وهم أقسام

(أحدها) المنسوبون إلى أمهاتهم كمعاذ ومعوذ، ابني (عفراء)، وهما اللذان أثبتا أبا جهل يوم بدر، وأمهم هذه عفراء بنت عبيد، وأبوهم الحارث بن رفاعة الأنصاري ولهم آخر شقيق لهما (عوذ)، ويقال (عون) وقيل (عوف) فالله أعلم.

بلال ابن (حمامة) المؤذن، أبوه رباح.

ابن (أم مكتوم) الأعمى المؤذن أيضا، وقد كان يؤم أحيانا عن رسول الله ﷺ في غيبته، قيل اسمه عبد الله بن زائدة، وقيل عمرو ابن قيس، وقيل غير ذلك.

عبد الله ابن (اللتبية) وقيل (الأتبية) صحابي.

سهيل ابن (بيضاء) وأخواه منها سهل وصفوان، واسم بيضاء (دعد) واسم أبيهم وهب.

شرحبيل ابن (حسنة) أحد أمراء الصحابة على الشأم، هي أمه، وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي.

عبد الله ابن (بحينة)، وهي أمه، وأبوه مالك بن القشب الأسدي.

سعد ابن (حبتة) هي أمه، وأبوه بجير بن معاوية.

ومن التابعين فمن بعدهم

محمد ابن (الحنفية)، واسمها (خولة)، وأبوه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

إسماعيل ابن علية، هي أمه، وأبوه إبراهيم، وهو أحد أئمة الحديث والفقه ومن كبار الصالحين.

(قلت) فأما ابن علية الذي يعزو إليه كثير من الفقهاء، فهو إسماعيل بن إبراهيم هذا، وقد كان مبتدعا يقول بخلق القرآن.

ابن (هراسة) هو أبو إسحاق ابن هراسة، قال الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري: هي أمه، واسم أبيه (سلمة).

ومن هؤلاء من قد ينسب إلى جدته، كيعلى ابن (منية)، قال الزبير بن بكار: هي أم أبيه (أمية).

وبشير ابن (الخصاصية): اسم أبيه (معبد)، (والخصاصية) أم جده الثالث.

قال الشيخ أبو عمرو: ومن أحدث ذلك عهدا شيخنا أبو أحمد عبد الوهاب بن علي البغدادي، يعرف بابن (سكينة)، وهي أم أبيه.

(قلت) وكذلك شيخنا العلامة (أبو العباس ابن تيمية)، هي أم أحد أجداده الأبعدين، وهو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني.

ومنهم من ينسب إلى جده، كما قال النبي ﷺ يوم حنين وهو راكب على البغلة يركضها إلى نحو العدو، وهو ينوه باسمه يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وهو رسول الله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

وكأبي عبيدة ابن الجراح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري، أحد العشرة، وأول من لقب بأمير الأمراء بالشأم، وكانت ولايته بعد خالد بن الوليد، -رضي الله عنهما-.

مجمع ابن جارية، هو مجمع بن يزيد ابن جارية.

ابن جريج، هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.

ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب.

أحمد بن حنبل، هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أحد الأئمة.

أبو بكر بن أبي شيبة، هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان العبسي، صاحب المصنف، وكذا أخواه عثمان الحافظ، والقاسم.

أبو سعيد بن يونس صاحب تاريخ مصر، هو عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن الأعلى الصدفي.

وممن نسب إلى غير أبيه

المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي البهراني، و"الأسود" هو ابن عبد يغوث الزهري، وكان زوج أمه، وهو ربيبه، فتبناه، فنسب إليه.

الحسن بن دينار، هو الحسن بن واصل، و"دينار" زوج أمه، وقال ابن أبي حاتم الحسن بن دينار بن واصل.
النوع الثامن والخمسون في النسب التي على خلاف ظاهرها

وذلك كأبي مسعود عقبة بن عمرو "البدري" زعم البخاري أنه ممن شهد بدرا، وخالفه الجمهور، قالوا: إنما سكن بدرا فنسب إليها.

سليمان بن طرخان "التيمي" لم يكن منهم، وإنما نزل فيهم، فنسب إليهم، وقد كان من موالي بني مرة.

أبو خالد "الدالاني" بطن من همدان، نزل فيهم أيضا، وإنما كان من موالي بني أسد.

إبراهيم بن يزيد "الخوزي": إنما نزل شعب الخوز بمكة.

عبد الملك بن أبي سليمان "العرزمي" وهم بطن من فزارة، نزل في جبانتهم بالكوفة.

محمد بن سنان "العوقي" ": بطن من عبد القيس، وهو باهلي، لكنه نزل عندهم بالبصرة.

أحمد بن يوسف السلمي": شيخ مسلم، هو أزدي، ولكنه نسب إلى قبيلة أمه وكذلك حفيده أبو عمرو إسماعيل بن نجيد "السلمي" حفيد هذا أبو عبد الرحمن "السلمي" الصوفي.

ومن ذلك مقسم "مولى ابن عباس" للزومه له، وإنما هو مولى لعبد الله بن الحارث بن نوفل.

وخالد "الحذاء" إنما قيل له ذلك لجلوسه عندهم.

ويزيد "الفقير" لأنه كان يألم من فقار ظهره.
النوع التاسع والخمسون في معرفة المبهمات من أسماء الرجال والنساء

وقد صنف في ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد المصري، والخطيب البغدادي، وغيرهما.

وهذا إنما يستفاد من رواية أخرى من طرق الحديث، كحديث ابن عباس « أن رجلا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ » هو الأقرع بن حابس، كما جاء في رواية أخرى، وحديث أبي سعيد « أنهم مروا بحي قد لدغ سيدهم، فرقاه رجل منهم » وهو أبو سعيد نفسه في أشباه لهذا كثيرة يطول ذكرها.

وقد اعتنى ابن الأثير في أواخر كتابه "جامع الأصول" بتحريرها، واختصر الشيخ محيي الدين النووي كتاب الخطيب في ذلك.

وهو فن قليل الجدوى بالنسبة إلى معرفة الحكم من الحديث، ولكنه شيء يتحلى به كثير من المحدثين وغيرهم.

وأهم ما فيه ما رفع إبهاما في إسناد كما إذا ورد في سند عن فلان ابن فلان، أو عن أبيه، أو عمه، أو أمه فوردت تسمية هذا المبهم من طريق أخرى، فإذا هو ثقة أو ضعيف، أو ممن ينظر في أمره، فهذا أنفع ما في هذا.
النوع الموفي الستين معرفة وفيات الرواة ومواليدهم ومقدار أعمارهم

ليعرف من أدركهم ممن لم يدركهم من كذاب أو مدلس، فيتحرر المتصل والمنقطع وغير ذلك.

قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التأريخ.

وقال حفص بن غياث: إذا اتهمتم الشيخ فحاسبوه بالسنين.

وقال الحاكم: لما قدم علينا محمد بن حاتم الكشي فحدث عن عبد بن حميد، سألته عن مولده؟ فذكر أنه ولد سنة ستين ومائتين، فقلت لأصحابنا إنه يزعم أنه سمع منه بعد موته بثلاث عشرة سنة.

قال ابن الصلاح: شخصان من الصحابة عاش كل منهما ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، وهما حكيم بن حزام، وحسان بن ثابت، -رضي الله عنهما- وحكي عن ابن إسحاق أن حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام عاش كل منهم مائة وعشرين سنة قال الحافظ أبو نعيم: ولا يعرف هذا لغيرهم من العرب.

(قلت) قد عمر جماعة من العرب أكثر من هذا، وإنما أراد أن أربعة نسقا يعيش كل منهم مائة وعشرين سنة، لم يتفق هذا في غيرهم.

وأما سلمان الفارسي، فقد حكى العباس بن يزيد البحراني الإجماع على أنه عاش مائتين وخمسين سنة، واختلفوا فيما زاد على ذلك إلى ثلاثمائة وخمسين سنة

وقد أورد الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح -رحمه الله- وفيات أعيان من الناس!.

رسول الله ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، على المشهور، يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة

وأبو بكر عن ثلاث وستين أيضا، في جمادى (الأولى) سنة ثلاث عشرة.

وعمر عن ثلاث وستين أيضا، في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين.

(قلت) وكان عمر أول من أرخ التأريخ الإسلامي بالهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، كما بسطنا ذلك في سيرته وفي كتابنا التأريخ، وكان أمره بذلك في سنة ست عشرة من الهجرة.

وقتل عثمان بن عفان وقد جاوز الثمانين، وقيل بلغ التسعين، في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين.

وعلي في رمضان سنة أربعين، عن ثلاث وستين في قول.

وطلحة والزبير قتلا يوم الجمل سنة ست وثلاثين، قال الحاكم وسن كل منهما أربع وستون سنة.

وتوفي سعد عن ثلاث وسبعين سنة سنة خمس وخمسين، وكان آخر من توفي من العشرة.

وسعيد بن زيد سنة إحدى وخمسين، وله ثلاث أو أربع وسبعون سنة.

وعبد الرحمن بن عوف عن خمس وسبعين سنة سنة اثنتين وثلاثين

وأبو عبيدة: سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة، -رضي الله عنهم أجمعين-.

(قلت) وأما العبادلة:

فعبد الله بن عباس سنة ثمان وستين

وابن عمر وابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين.

وعبد الله بن عمرو سنة سبع وستين

وأما عبد الله بن مسعود فليس منهم، قاله أحمد بن حنبل، خلافا للجوهري حيث عده منهم، وقد كانت وفاته سنة إحدى وثلاثين

.

قال ابن الصلاح: (الثالث) أصحاب المذاهب الخمسة المتبوعة

سفيان الثوري توفي بالبصرة، سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة

وتوفي مالك بن أنس بالمدينة، سنة تسع وسبعين ومائة، وقد جاوز الثمانين

وتوفي أبو حنيفة ببغداد، سنة خمسين ومائة، وله سبعون سنة

وتوفي الشافعي محمد بن إدريس بمصر، سنة أربع ومائتين، عن أربع وخمسين سنة

وتوفي أحمد بن حنبل ببغداد، سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة

(قلت) وقد كان أهل الشام على مذهب الأوزاعي نحوا من مائتي سنة، وكانت وفاته سنة سبع وخمسين ومائة، ببيروت من ساحل الشام، وله من العمر (سبعون سنة).

وكذلك إسحاق بن راهويه قد كان إماما متبعا، له طائفة يقلدونه ويجتهدون على مسلكه، يقال لهم الإسحاقية، وقد كانت وفاته سنة ثمان وثلاثين ومائتين، عن (سبع وسبعين سنة).

قال ابن الصلاح:

(الرابع) أصحاب كتب الحديث الخمسة.

البخاري ولد سنة أربع وتسعين ومائة، ومات ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين، بقرية يقال لها خرتنك.

ومسلم بن الحجاج توفي سنة إحدى وستين ومائتين، عن خمس وخمسين سنة.

أبو داود سنة خمس وسبعين ومائتين.

الترمذي بعده بأربع سنين (سنة) تسع وسبعين.

أبو عبد الرحمن النسائي سنة ثلاث وثلاثمائة.

(قلت) وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، صاحب السنن التي كمل بها الكتب الستة السنن الأربعة بعد الصحيحين، التي اعتنى بأطرافها الحافظ ابن عساكر، وكذلك شيخنا الحافظ المزي اعتنى برجالها وأطرافها، وهو كتاب قوي التبويب في الفقه، وقد كانت وفاته سنة ثلاث وسبعين ومائتين -رحمهم الله-.

قال (الخامس) سبعة من الحفاظ انتفع بتصانيفهم في أعصارنا

أبو الحسن الدارقطني توفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، عن تسع وسبعين سنة

الحاكم أبو عبد الله النيسابوري توفي في صفر سنة خمس وأربعمائة، وقد جاوز الثمانين

عبد الغني بن سعيد المصري في صفر سنة تسع وأربعمائة بمصر، عن سبع وسبعين سنة

الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: سنة ثلاثين وأربعمائة، وله ست وتسعون سنة .

ومن الطبقة الأخرى:

الشيخ أبو عمر النمري توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن خمس وتسعين سنة.

ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي توفي بنيسابور سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، عن أربع وسبعين سنة.

ثم أبو بكر بن علي الخطيب البغدادي توفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن إحدى وسبعين سنة.

(قلت) وقد كان ينبغي أن يذكر مع هؤلاء جماعة اشتهرت تصانيفهم بين الناس، -ولا سيما عند أهل الحديث- كالطبراني وقد توفي سنة ستين وثلاثمائة، صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها، والحافظ أبي يعلى الموصلي (توفي سنة سبع وثلاثمائة)، والحافظ أبي بكر البزار (توفي سنة اثنين وتسعين ومائتين) وإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة توفي سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، صاحب الصحيح.

وكذلك أبو حاتم محمد بن حبان البستي، صاحب الصحيح أيضا، وكانت وفاته سنة أربع وخمسين وثلاثمائة.

والحافظ أبو حمد بن عدي، صاحب الكامل، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة.
النوع الحادي والستون معرفة الثقاة والضعفاء من الرواة وغيرهم

وهذا الفن من أهم العلوم وأعلاها وأنفعها، إذ به تعرف صحة سند الحديث من ضعفه.

وقد صنف الناس في ذلك قديما وحديثا كتبا كثيرة من أنفعها كتاب ابن حاتم ولابن حبان كتابان نافعان أحدهما في الثقاة، والآخر في الضعفاء وكتاب الكامل لابن عدي.

والتواريخ المشهورة، ومن أجلها تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر أحمد بن علي الخطيب وتاريخ دمشق للحافظ أبي القاسم بن عساكر وتهذيب شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي وميزان شيخنا الحافظ أبي عبد الله الذهبي.

وقد جمعت بينهما وزدت في تحرير الجرح والتعديل عليهما، في كتاب، وسميته "التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل" وهو من أنفع شيء للفقيه البارع، وكذلك للمحدث.

وليس الكلام في جرح الرجال على وجه النصيحة لله ولرسوله ولكتابه والمؤمنين بغيبة، بل يثاب بتعاطي ذلك إذا قصد به ذلك.

وقد قيل ليحيى بن سعيد القطان أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك يوم القيامة؟ قال: لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون رسول الله ﷺ خصمي يومئذ، (يقول لي لم لم تذب الكذب عن حديثي؟).

وقد سمع أبو تراب النخشبي أحمد بن أحمد بن حنبل وهو يتكلم في بعض الرواة فقال له: أتغتاب العلماء؟! فقال له: ويحك! هذا نصيحة، ليس هذا غيبة.

ويقال: إن أول من تصدى للكلام في الرواة شعبة بن الحجاج، وتبعه يحيى بن سعيد القطان، ثم تلامذته أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وعمرو بن الفلاس، وغيرهم.

وقد تكلم في ذلك مالك، وهشام بن عروة، وجماعة من السلف وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: « الدين النصيحة ».

وقد تكلم بعضهم في غيره فلم يعتبر، لما بينهما من العداوة المعلومة.

وقد ذكرنا من أمثلة ذلك كلام محمد بن إسحاق في الإمام مالك، وكذا كلام مالك فيه، وقد وسع السهيلي القول في ذلك، وكذلك كلام النسائي في أحمد بن صالح المصري حين منعه من حضور مجلسه.
النوع الثاني والستون معرفة من اختلط في آخر عمره

إما لخوف أو ضرر أو مرض أو عرض كعبد الله بن لهيعة، لما ذهبت كتبه اختلط في عقله، فمن سمع من هؤلاء قبل اختلاطهم قبلت روايتهم، ومن سمع بعد ذلك أو شك في ذلك لم تقبل.

وممن اختلط بأخرة عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعي، قال الحافظ أبو يعلى الخليلي: وإنما سمع ابن عيينة منه بعد ذلك وسعيد بن أبي عروبة، وكان سماع وكيع والمعافى بن عمران منه بعد اختلاطه والمسعودي، وربيعة، وصالح مولى التوأمة، وحصين بن عبد الرحمن، قاله النسائي وسفيان بن عيينة قبل موته بسنتين، قاله يحيى القطان وعبد الوهاب الثقفي، قاله ابن معين وعبد الرزاق بن همام، قال أحمد بن حنبل: اختلط بعدما عمي، فكان يلقن، فيتلقن فمن سمع منه بعدما عمي فلا شيء.

قال ابن الصلاح" وقد وجدت فيما رواه الطبراني عن إسحاق بن بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق أحاديث منكرة، فلعل سماعه كان منه بعد اختلاطه وذكر إبراهيم الحربي أن الدبري كان عمره حين مات عبد الرزاق ستا أو سبع سنين وعارم اختلط بأخرة.

وممن اختلط ممن بعد هؤلاء أبو قلابة الرقاشي، وأبو أحمد الغطريفي، وأبو بكر بن مالك القطيعي، خرف حتى كان لا يدري ما يقرأ.
النوع الثالث والستون معرفة الطبقات

وذلك أمر اصطلاحي فمن الناس من يرى الصحابة كلهم طبقة واحدة، ثم التابعون بعدهم كذلك ويستشهد على هذا بقوله عليه السلام خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم فذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة.

ومن الناس من يقسم الصحابة إلى طبقات، وكذلك التابعين فمن بعدهم.

ومنهم من يجعل كل قرن أربعين سنة.

ومن أجل الكتب في هذا طبقات محمد بن سعد كاتب الواقدي وكذلك كتاب التاريخ لشيخنا العلامة أبي عبد الله الذهبي -رحمه الله- وله كتاب طبقات الحفاظ، مفيد أيضا جدا.
النوع الرابع والستون معرفة الموالي من الرواة والعلماء

وهو من المهمات، فربما نسب أحدهم إلى القبيلة، فيعتقد السامع أنه منهم صليبة، وإنما هو من مواليهم فيميز ذلك ليعلم، وإن كان قد ورد في الحديث « مولى القوم من أنفسهم ».

ومن ذلك أبو البختري "الطائي" وهو سعيد بن فيروز، وهو مولاهم وكذلك أبو العالية "الرياحي" وكذلك الليث بن سعد "الفهمي" وكذلك عبد الله بن وهب "القرشي"، وهو مولى لعبد الله بن صالح كاتب الليث وهذا كثير.

فأما ما يذكر في ترجمة البخاري أنه "مولى الجعفيين" فلإسلام جده الأعلى على يد بعض الجعفيين.

وكذلك الحسن بن عيسى الماسرجسي ينسب إلى ولاء عبد الله بن المبارك، بأنه أسلم على يديه، وكان نصرانيا.

وقد يكون بالحلف، كما يقال في نسب الإمام مالك بن أنس "مولى التيميين"، وهو حميري أصبحي صليبة، ولكن كان جده مالك بن أبي عامر حليفا لهم، وقد كان عسيفا عند طلحة بن عبد الله التيمي أيضا، فنسب إليهم كذلك.

وقد كان جماعة من سادات العلماء في زمن السلف من الموالي، وقد روى مسلم في صحيحه أن عمر بن الخطاب لما تلقاه نائب مكة أثناء الطريق في حج أو عمرة، قال له: من استخلفت من أهل الوادي؟ قال ابن أبزى، قال ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من الموالي، فقال: أما إني سمعت نبيكم ﷺ يقول « إن الله يرفع بهذا العلم أقواما ويضع به آخرين ».

وذكر الزهري أن هشام بن عبد الملك قال له: من يسود مكة؟ فقلت عطاء، قال: فأهل اليمن؟ قلت طاوس، قال: فأهل الشام؟ فقلت مكحول، قال: فأهل مصر؟ قلت يزيد بن أبي حبيب، قال فأهل الجزيرة؟ فقلت: ميمون بن مهران، قال: فأهل خراسان؟ قلت الضحاك بن مزاحم، قال: فأهل البصرة؟ فقلت الحسن بن أبي الحسن، قال: فأهل الكوفة؟ فقلت إبراهيم النخعي، وذكر أنه يقول له عند كل واحد أمن العرب أم من الموالي؟ فيقول من الموالي، فلما انتهى قال: يا زهري، والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.

(قلت) وسأل بعض الأعراب رجلا من أهل البصرة، فقال: من هو سيد هذه البلدة؟ قال الحسن بن أبي الحسن البصري، قال: أمولى هو؟ قال: نعم، قال: فبم سادهم؟ فقال بحاجتهم إلى علمه وعدم احتياجه إلى دنياهم، فقال الأعرابي هذا لعمر أبيك هو السؤدد.
النوع الخامس والستون معرفة أوطان الرواة وبلدانهم

وهو مما يعتني به كثير من علماء الحديث، وربما ترتب عليه فوائد مهمة.

منها معرفة شيخ الراوي، فربما اشتبه بغيره، فإذا عرفنا بلده تعين بلديه غالبا، وهذا مهم جليل.

وقد كانت العرب إنما ينسبون إلى القبائل والعمائر والعشائر والبيوت، والعجم إلى شعوبها ورساتيقها وبلدانها، وبنو إسرائيل إلى أسباطها فلما جاء الإسلام وانتشر الناس في الأقاليم، نسبوا إليها، أو إلى مدنها أو قراها.

فمن كان من قرية فله الانتساب إليها بعينها، وإلى مدينتها -إن شاء الله-، أو إقليمها، ومن كان من بلدة ثم انتقل منها إلى غيرها فله الانتساب إلى أيهما شاء، والأحسن أن يذكرهما، فيقول مثلا الشامي ثم العراقي، أو الدمشقي ثم المصري، ونحو ذلك.

وقال بعضهم: إنما يسوغ الانتساب إلى البلد إذا أقام فيه أربع سنين فأكثر، وفي هذا نظر والله -سبحانه وتعالى- أعلم بالصواب.

وهذا آخر ما يسره الله -تعالى- من "اختصار علوم الحديث" وله الحمد والمنة.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

هامش



سورة الحجرات آية: 9.
تصنيف:
اختصار علوم الحديث
أضف وصلات
آخر تعديل للصفحة في 19:25، 20 مايو 2019.
النصوص منشورة وفق هذه الرخصة وشروط الاستخدام.
سيأتي ذكر المرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والمعلل في الصفحات التالية.

جاء في تدريب الراوي ص 56 ما يلي: "وموضوع المستخرج كما قال العراقي: أن يأتي المصنف إلى الكتاب فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه أو من فوقه. قال شيخ الإسلام: وشرطه أن لا يصل إلى شيخ أبعد حتى يفقد سندا يوصله إلى الأقرب إلا لعذر من علو أو زيادة مهمة. قال: ولذلك يقول أبو عوانة في مستخرجه على مسلم بعد أن يسوق طرق مسلم كلها: من هنا لمخرجه، ثم يسوق أسانيد يجتمع فيها مع مسلم فيمن فوق ذلك، وربما قال: من هنا لم يخرجاه، قال: ولا يظن أنه يعني البخاري ومسلما، فإني استقربت صنيعه في ذلك فوجدته إنما يعني مسلما، وأبا الفضل أحمد بن سلمة، فإنه كان قرين مسلم، وصنف مثل مسلم، وربما أسقط المستخرج أحاديث لم يجد له بها سندا يرتضيه، وربما ذكرها من طريق صاحب الكتاب، ثم إن المستخرجات المذكورة (لم يلتزم فيها موافقتهما) أي: الصحيحين (في الألفاظ)؛ لأنهم إنما يرون بالألفاظ التي وقعت لهم عن شيوخهم (فحصل فيها تفاوت) قليل (في اللفظ و) في (المعنى) أقل".

جمع الحافظ الهيثمي (المتوفى سنة 807) زوائد ستة كتب، وهي مسند أحمد وأبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير والأوسط والصغير على الكتب الستة، أي: ما رواه هؤلاء الأئمة الأربعة في كتبهم زائدا على ما في الكتب الستة المعروفة، وهي الصحيحان والسنن الأربعة. فكان كتابا حافلا نافعا، سماه (مجمع الزوائد)، وقد طبع بمصر سنة 1352 في 10مجلدات كبار. وتكلم فيه على إسناد كل حديث، مع نسبته إلى من رواه منهم.

قال السيوطي في تدريب الراوي ص53: "قال البدر بن جماعة: والصواب أنه يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله من الحسن أو الصحة أو الضعف، ووافقه العراقي وقال: إن حكمه عليه بالحسن فقط تحكم، قال إلا أن ابن الصلاح قال ذلك بناء على رأيه، أنه قد انقطع التصحيح في هذه الأعصار، فليس لأحد أن يصححه، فلهذا قطع النظر عن الكشف عليه.

قال السيوطي في تدريب الراوي ص52. "قال شيخ الإسلام: وإنما وقع للحاكم التساهل؛ لأنه سود الكتاب لينقحه فأعجلته المنية، قال: وقد وجدت في قريب نصف الجزء الثاني من تجزئة ستة من المستدرك، إلى هنا. انتهى إملاء الحاكم، ثم قال: وما عدا ذلك من الكتاب لا يؤخذ عنه إلا بطريق الإجازة. فمن أكبر أصحابه وأكثر الناس له ملازمة البيهقي، وهو إذا ساق عنه في غير المملى شيئا لا يذكره إلا بالإجازة قال: والتساهل في القدر المملى قليل جدا بالنسبة إلى ما بعده.

قال السيوطي في تدريب الراوي ص60-61: "(ما روياه) أي: الشيخان (بالإسناد المتصل فهو المحكوم بصحته، وأما ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر) وهو المعلق، وهو في البخاري كثير جدا، كما تقدم عدده، وفي مسلم في موضوع واحد في التيمم، حيث قال: وروى الليث بن سعد، فذكر حديث أبي الجهم بن الصمة: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر جمل … …الحديث. وفيه أيضا موضوعان في الحدود والبيوع رواهما بالتعليق عن الليث بعد روايتهما بالاتصال، وفيه بعد ذلك أربعة عشر موضوعا كل حديث منها رواه متصلا ثم عقبه بقوله: ورواه فلان. وأكثر ما في البخاري من ذلك موصول في موضوع آخر من كتابه، وإنما أورده معلقا اختصارا ومجانبة للتكرار، والذي لم يوصله في موضوع آخر مائة وستون حديثا، وصلها شيخ الإسلام في تأليف لطيف سماه "التوفيق" وله في جميع التعليق والمتابعات والموقوفات كتاب جليل بالأسانيد سماه "تعليق التعليق" واختصره بلا أسانيد في كتاب آخر سماه "التشويق إلى وصل المهم من التعليق" (فما كان منه بصيغة الجزم كقال وفعل وأمر وروى وذكر فلان فهو حكم بصحته عن المضاف إليه)؛ لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه، لكن لا يحكم بصحته الحديث مطلقا، بل يتوقف على النظر فيمن أبرز من رجاله، وذلك أقسام: أحدها: ما يلتحق بشرطه، والسبب في عدم إيصاله إما الاستغناء بغيره عنه، مع إفادة الإشارة إليه وعدم إهماله بإيراده معلقا اختصارا، وإما كونه لم يسمعه من شيخه، أو سمعه مذاكرة، أو شك في سماعه، فما رأى أنه يسوقه مساق الأصول، ومن أمثلة ذلك قوله في الوكالة: قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عون حديثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله ﷺ بزكاة رمضان. …الحديث، وأورده في فضائل القرآن وذكر إبليس، ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان، فالظاهر عدم سماعه له منه. قال شيخ الإسلام: وقد استعمل هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها منهم بصيغة قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم، كما قال في التاريخ: قال إبراهيم بن موسى: حدثنا هشام بن يوسف فذكر حديثا، ثم يقول: حدثوني بهذا عن إبراهيم قال: ولكن ليس ذلك مطردا في كل ما أورد بهذه الصيغة، لكن مع هذا الاحتمال لا يجمل حمل ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمعه من شيوخه".

قال السيوطي في تدريب الراوي ص126: "وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رووها بينوها، بل أكثر ما رواه الصحابة عن التابعين ليس أحاديث مرفوعة بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات.

قال العراقي ص67 من شرح مقدمة ابن الصلاح: ولا حاجة إلى قوله: وكاد، فقد ادعاه، فقال في مقدمة التمهيد: اعلم وفقك الله أني تأملت أقاويل أئمة الحديث، ونظرت في كتب من اشترط الصحيح في النقل منهم ومن لم يشترطه، فوجدتهم أجمعوا على قبول الإسناد المعنعن، لا خلاف بينهم في ذلك؛ إذ جمع شروطا ثلاثة، وهي: عدالة المحدثين، ولقاء بعضهم بعضا، ومجالسة ومشاهدة، وأن يكونوا برآء من التدليس، ثم قال: وهو قول مالك وعامة أهل العلم.

قال السيوطي في تدريب الراوي ص140 "(وربما لم يسقط شيخه أو أسقط غيره)، أي: شيخ شيخه أو أعلى منه لكونه (ضعيفا) وشيخه ثقة (أو صغيرا) وأتى فيه بلفظ محتمل عن الثقة الثاني (تحسينا للحديث) وهذا من زوائد المصنف -يعني النووي- على ابن الصلاح، وهو قسم آخر من التدليس يسمى تدليس التسوية سماه بذلك ابن القطان وهو شر أقسامه؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة، وفيه تغرير شديد. وممن عرف به الوليد بن مسلم، قال أبو مسهر: كان يحدث بأحاديث الأوزاعي من الكذابين ثم يدلسها عنهم، وقال صالح جزرة: سمعت الهيثم بن خارجة يقول: قلت للوليد: قد أفسدت حديث الأوزاعي، قال: كيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري أبا الهيثم بن مرة.قال: أنبل الاوزاعي أن يروي عن مثل هؤلاء. قلت: فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضعف الأوزاعي، فلم يتلفت إلى قولي. قال الخطيب: وكان الأعمش وسفيان الثوري يفعلون مثل هذا، قال العلائي: وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وشرها".

ومثال الاضطراب في الإسناد ما ذكر السيوطي في التدريب ص172-173 قال: "والمثال الصحيح حديث أبي بكر أنه قال: يا رسول الله أراك شبت قال: شيبتني هود وأخواتها.. قال الدراقطني: هذا مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه: فمنهم من رواه عنه مرسلا، ومنهم من رواه موصولا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر. قلت: ومثله حديث مجاهد عن الحكم بن سفيان عن النبي ﷺ في نضح الفرج بعد الوضوء، قد اختلف فيه على عشرة أقوال، فقيل: عن مجاهد عن الحكم أو ابن الحكم عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن الحكم -غير منسوب- عن أبيه. وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن أبيه، وقيل: عن مجاهد عن سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد عن الحكم بن سفيان بلا شك، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف يقال له: الحكم أو أبو الحكم، وقيل: عنه مجاهد عن ابن الحكم أو أبي الحكم بن سفيان، وقيل: عن مجاهد عن الحكم ابن سفيان أو أبي سفيان، وقيل: عن مجاهد عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ. ومثال الاضطراب في المتن، فيما أورده العراقي: حديث فاطمة بنت قيس قالت: سئل النبي ﷺ عن الزكاة، فقال: إن في المال لحقا سوى الزكاة رواه الترمذي هكذا من رواية شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة، ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ: ليس في المال حق سوى الزكاة؛ قال: فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل، قيل: وهذا أيضا لا يصلح مثالا، فإن شيخ شريك ضعيف فهو مردود من قبيل ضعف راويه، لا من قبيل اضطرابه، وأيضا فيمكن تأويله بأنها روت كلا من اللفظين عن النبي ﷺ، وأن المراد بالحق المثبت المستحب، وبالمنفي الواجب. والمثال الصحيح ما وقع في حديث الواهبة نفسها من الاختلاف في اللفظة الواقعة منه ﷺ. ففي رواية: زوجتكها، وفي رواية: زوجناكها، وفي رواية أمكناكها، وفي رواية ملكتكها. فهذه الألفاظ لا يمكن الاحتجاج بواحد منها، حتى لو احتج حنفي مثلا على أن التمليك من ألفاظ النكاح لم يسغ له ذلك. قلت: وفي التمثيل بهذا نظر أوضح من الأول، فإن الحديث صحيح ثابت، وتأويل هذه الألفاظ سهل. فإنها راجعة إلى معنى واحد بخلاف الحديث السابق. وعندي أن أحسن مثال لذلك حديث البسملة السابق. فإن ابن عبد البر أعله بالاضطراب كما تقدم. والمضطرب يجامع المعلل؛ لأنه قد تكون علته ذلك.

قال ابن حجر في تقريب التهذيب ص4: فأما المراتب، فأولها: الصحابة؛ فأصرح بذلك لشرفهم. الثانية: من أكد مدحه إما بأفعل كأوثق الناس، أو بتكرير الصفة لفظا كثقة ثقة أو معنى كثقة حافظ. الثالثة: من أفرد بصفة كثقة أو متقن أو ثبت أو عدل. الرابعة: من قصر عن درجة الثالثة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس. الخامسة: من قصر عن درجة الرابعة قليلا، وإليه الإشارة بصدوق سيئ الحفظ، أو صدوق يهم، أو له أوهام، أو يخطئ، أو تغير بأخرة، ويلتحق بذلك من رمي بنوع من البدعة كالتشيع، والقدر، والنصب، والإرجاء، والتجهم مع بيان الداعية من غيره. السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله وإليه الإشارة بلفظ مقبول حيث يتابع وإلا فلين الحديث. السابعة: من روى عنه أكثر من واحد، ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ مستور، أو مجهول الحال. الثامنة: من لم يوجد فيه توثيق معتبر ووجد فيه إطلاق الضعف، ولو لم يفسر، وإليه الإشارة بلفظ ضعيف. 52 التاسعة: من لم يرو عنه غير واحد ولم يوثق، وإليه الإشارة بلفظ مجهول. العاشرة: من لم يوثق ألبتة وضعف مع ذلك بقادح، وإليه الإشارة بمتروك أو متروك الحديث، أو واهي الحديث، أو ساقط. الحادية عشرة: من اتهم بالكذب. الثانية عشرة: من أطلق عليه اسم الكذب والوضع. وقال ابن حجر في شرح نخبة الفكر ص (30): ثم الطعن يكون بعشرة أشياء بعضها أشد في القدح من بعض، خمسة منها تتعلق بالعدالة، وخمسة تتعلق بالضبط، ولم يحصل الاعتناء بتمييز أحد القسمين من الآخر لمصلحة اقتضت ذلك وهي ترتيبها على الأشد، فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي؛ لأن الطعن إما أن يكون: لكذب الراوي في الحديث النبوي بأن يروي عنه ﷺ ما لم يقله متعمدا لذلك، أو تهمته بذلك بأن لا يروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهذا دون الأول. أو فحش غلطه أي: كثرته. أو غفلته عن الإتقان. أو فسقه أي: بالفعل والقول مما لا يبلغ الكفر، وبينه وبين الأول عموم، وإنما أفرد الأول؛ لكون القدح به أشد في هذا الفن، وأما الفسق بالمعتقد فسيأتي بيانه. أو وهمه بأن يروي على سبيل التوهم. أو مخالفته أي: للثقات. أو جهالته بأن لا يعرف فيه تعديل ولا تجريح معين. أو بدعته، وهي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النبي ﷺ لا بمعاندة، بل بنوع شبهة. أو سوء حفظه، وهو عبارة عن ألا يكون غلطه أقل من إصابته. فالسبب الأول: وهو الطعن بكذب الراوي في الحديث النبوي هو الموضوع والحكم عليه بطريق الظن الغالب لا بالقطع. والسبب الثاني: من أقسام المردود وهو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب هو المتروك. 53 والسبب الثالث: المنكر على رأي من لا يشترط في المنكر قيد المخالفة. وكذا السبب الرابع والخامس: فمن فحش غلطه أو كثرت غفلته أو ظهر فسقه فحديثه منكر. والسبب السادس: هو الوهم إن اطلع عليه بالقرائن الدالة على وهم الراوي من وصل مرسل أو منقطع، أو إدخال حديث في حديث، أو نحو ذلك من الأشياء القادحة، وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع، وجمع الطرق هو المعلل. والسبب السابع: المخالفة، فإن كانت واقعة بسبب تغيير سياق الإسناد، فالواقع فيه ذلك التغيير هو مدرج الإسناد. وأما مدرج المتن فهو أن يقع في المتن كلام ليس منه، فتارة يكون في أوله وتارة في أثنائه، وتارة في آخره وهو الأكثر، وقد تكون المخالفة بدمج موقوف من كلام الصحابة أو من من بعدهم بموضوع من كلام النبي ﷺ من غير فصل. وقد تكون المخالفة بتقديم أو تأخير في الأسماء كمرة بن كعب، وكعب بن مرة وهذا هو المقلوب. أو تكون بزيادة راو، وهذا هو المزيد في متصل الأسانيد. أو بإبدال الراوي ولا مرجح لإحدى الروايتين على الأخرى، فهذا هو المضطرب. السبب الثامن: الجهالة بالراوي، وسببها أمران أن الراوي قد تكثر نعوته من اسم أو كنية أو لقب أو صفة أو حرفة أو نسب فيشتهر بشيء منها، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض من الأغراض، فيظن أنه آخر فيحصل الجهل بحاله، وقد يكون مقلا من الحديث فلا يكثر الأخذ عنه، أو لا يسمى اختصارا، فإن سمي الراوي وانفرد راو واحد بالرواية عنه فهو مجهول العين كالمبهم فلا يقبل حديثه، وإن روى عنه اثنان فصاعدا، ولم يوثق فهو مجهول الحال، وهو المستور، وقد قبل روايته جماعة وردها الجمهور. السبب التاسع: البدعة وهي إما أن تكون بمكفر أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني اختلف في قبوله ورده، وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته في الأصح إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المذهب المختار. السبب العاشر: سوء الحفظ إن كان لازما فهو الشاذ على رأي بعض أهل 54 الحديث، وإن كان طارئا إما لكبر الراوي أو ذهاب بصره أو احتراق كتبه، فهو المختلط، والحكم فيه أن ما حدث به قبل الاختلاط إذا تميز قبل وإذا لم يتميز توقف فيه، وكذا من اشتبه الأمر فيه، وإنما يعرف ذلك باعتبار الآخذين عنه. ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر، كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور والإسناد المرسل، وكذا المدلس إذا لم يعرف المحذوف منه صار حديثهم حسنا لا لذاته بل باعتبار المجموع من المتابع والمتابع.

سورة البقرة آية: 220. 
============
 
 

فضائل القرآن

اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فضائل القرآن
المؤلف: ابن كثير




[ الحديث الأول ]

قال البخاري رحمه الله كيف نزل الوحي وأول ما نزل قال ابن عباس: المهيمن الأمين القرآن، أمين على كل كتاب قبله.

حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن يحيى عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة وابن عباس قالا: [ لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا ]

ذكر البخاري رحمه الله كتاب فضائل القرآن بعد كتاب التفسير لأن التفسير أهم فلهذا بدأ به فجرينا على منواله وسننه مقتضين به وقول ابن عباس في المهيمن: إنما يريد به البخاري قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه } قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: ثنا المثنى ثنا عبد الله بن صالح حدثني معاويه عن علي يعنى ابن أبى طلحة عن ابن عباس قوله { ومهيمنا عليه } قال: المهيمن الأمين قال: [ القرآن أمين على كل كتاب قبله وفى رواية شهيدا عليه ] وقال سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن أبى اسحاق السبيعي عن التميمى عن ابن عباس { ومهيمنا عليه } قال: مؤتمنا وبنحو ذلك قال مجاهد والسدى وقتادة وابن جريج والحسن البصرى وغير واحد من أئمة السلف وأصل الهيمنة الحفظ والإرتقاب يقال إذا ارقب الرجل الشىء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه فهو مهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن وفى أسماء الله تعالى المهيمن وهو الشهيد على كل شىء الرقيب الحفيظ بكل شىء

وأما الحديت الذي أسنده البخاري أنه عليه السلام أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرا فهو مما انفرد به البخاري دون مسلم وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن عن يحيى وهو ابن كثير عن أبى سلمة عنهما وقال أبوعبيد القاسم بن سلام: ثنا يزيد عن داود بن أبىهند عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القران جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا } هذا إسناد صحيح. أما إقامته بالمدينة عشرا فهذا مما لا خلاف فيه وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور ثلاث عشرة سنة لأنه عليه السلام أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشر اختصارا في الكلام لأن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور في كلامهم أو أنهما اعتبرا قرن جبريل عليه السلام فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به عليه السلام ميكائيل في ابتداء الأمر يلقى اليه الكلمة وشىء ثم قرن به جبريل ووجه مناسبة هذا الحديث بـ فضائل القرآن أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف وهو البلد الحرام كما أنه في زمن شريف وهو شهر رمضان فاجتمع له شرف الزمان والمكان

ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان لأنه ابتدئ بنزوله ولهذا كان جبريل يعارض به رسول الله في كل سنة في شهر رمضان فلما كانت السنة التى توفى فيها عارضه مرتين تأكيدا وتثبيتا وأيضا ففى الحديث بيان أنه من القرآن مكي ومنه مدني فالمكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان حتى ولوكان بمكة أو عرفة

وقد أجمعوا على سور أنها من المكي وأخر أنها من المدني واختلفوا في أخر وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط في تقييدها عسر ونظر ولكن قال بعضهم: كل سورة في أولها شىء من الحروف المقطعة فهى مكية إلا البقرة وآل عمران كما أن كل سورة فيها { يا أيها الذين آمنوا } فهى مدنية وما فيه { يا أيها الناس } فيحتمل أن تكون من هذا ومن هذا والغالب أنه مكي وقد يكون مدنيا كما في البقرة: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } - { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين }

قال أبوعبيد: ثنا أبومعاوية ثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم عن علقمة: كل شىء في القرآن { يا أيها الذين آمنوا } فانه أنزل بالمدينة وما كان منها { يا أيها الناس } فانه أنزل بمكة ثم قال: ثنا على بن معبد عن أبى المليح عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن { يا أيها الناس } و{ يا بني آدم } فإنه مكي وما كان { يا أيها الذين آمنوا } فإنه مدني

ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين: مرة بالمدينة ومرة بمكة والله أعلم ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعى أنها من المدني كما في سورة الحج وغيرها

والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح فالله أعلم

وقال أبوعبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة وال عمران والنساء وا لمائدة والأنفال والتوبة والحج وا لنور والأحزاب والذ ين كفروا والفتح والحد يد والمجادلة والحشر والممتحنة والحواريون والتغابن و{ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } و{ يا أيها النبي لم تحرم } و{ الفجر } و{ الليل إذا يغشى } و{ إنا أنزلناه في ليلة القدر } و{ لم يكن } و{ إذا زلزلت } و{ إذا جاء نصر الله والفتح } وسائر ذلك بمكة هذا إسناد صحيح عن ابن أبى طلحة مشهور وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير

وقد ذكر في المدني سورا في كونها مدنية نظر وما به الحجرات المعوذات

الحديث الثاني

وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا معتمر قال: سمعت أبىعن أبى عثمان قال قال: [ أنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة فجعل يتحدث فقال النبي ﷺ لأم سلمة: من هذا أو كما قال قالت: هذا دحيه فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي ﷺ يخبر خبر جبريل أو كما قال ] قال أبى: قلت لأبىعثمان: ممن سمعت هذا ؟ قال: من أسامة بن زيد رضي الله عنه

وهكذا رواه أيضا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسى ومسلم في فضائل أم سلمة عن عبدالأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به والغرض من ايراده هذا الحديث ههنا أن السفير بين الله وبين محمد ﷺ جبريل عليه السلام وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال تعالى: { نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين } وقال تعالى: { إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون } الآيات

فمدح الرب تبارك وتعالى عبديه ورسوليه جبريل ومحمدا صلى الله وسلم عليهما وسنستقصى الكلام على تفسيرهذا المكان في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة وفى الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة رضي الله عنها - كما بينه مسلم رحمه الله لرؤيتها هذا الملك العظيم وفضيلة أيضا لدحية بن خليفة الكلبي وذلك أن جبريل عليه السلام كان كثيرا ما يأتى إلى رسول الله ﷺ على صورة دحية وكان جميل الصورة رضي الله عنه وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي وهم من قبيلة قضاعة وقضاعة قيل: إنهم من عدنان وقيل من قحطان كلهم ينسبون إلى كلب بن وبره وقيل بطن مستقل بنفسه والله أعلم

الحديث الثالث

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا الليث ثنا سعيد المقبرى عن أبيه عن أبى هريرة قال قال النبي ﷺ: [ ما من الانبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلى فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة ] ورواه أيضا في الاعتصام عن عبد العزيز بن عبد الله ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعا عن الليث بن سعد عن سعيد بن أبى سعيد عن أبيه واسمه كيسان المقبرى به

وفى هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها بنى من الأنبياء وعلى كل كتاب أنزله وذلك أن معنى الحديث: ما من نبى إلا أعطى - أي من المعجزات - ما آمن عليه البشر أي ما كان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه في زمانه

وأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم

ما آتاه الله وحيا منه إليه منقولا الى الناس بالتواتر ففى كل حين هو كما أنزل فلهذا قال: [ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ] وكذلك وقع فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها الى قيام الساعة واستمرار معجزته ولهذا قال الله تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } وقال تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا }

ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا فقال { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } وقصر التحدي على هذ المقام في السور المكية - كما ذكرنا في المدنية أيضا كما في سورة البقرة حيث قال تعالى: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين } وأخبرهم أنهم عاجزون عن معارضته بمثله وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضا

هذا وهم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه لكن جاءهم من الله مالا قبل لأحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز المحتوى على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة والأخبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية والأحكام العادلة المحكمة كما قال تعالى: { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا }

وقال الإمام أحمد بن حنبل: ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا أبى ثنا محمد بن اسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظي عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: قلت لآتين أمير المؤمنين فلأ سألنه عما سمعت العشية قال: فجئته بعد العشاء فدخلت عليه فذكر الحديث قال ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ أتاني جبريل فقال: يامحمد إن أمتك مختلفة بعدك - قال - فقلت له: فأين المخرج يا جبريل ؟ قال: فقال: كتاب الله به يقصم الله كل جبار من اعتصم به نجا ومن تركه هلك - مرتين - قول فصل وليس بالهزل لا تخلقه الألسن ولا تفنى عجائبه فيه نبأ من كان قبلكم وفصل مابينكم وخبرماهو كائن بعدكم ] رواه الإمام أحمد

وقد قال أبوعيسى الترمذي: ثنا عبد بن حميد ثنا حسين بن على الجعفى ثنا حمزة الزيات عن أبى المختار الطائى عن ابن أخى الحارث الأعور عن الحارث الأعور قال: [ مررت إلى المسجد فاذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت على علي فقلت: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضو في الأحاديث ؟ قال: أوقد فعلوها ؟ قلت: نعم قال: أما إنى قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا إنها ستكون فتنة فقلت: فما المخرج منها يارسول الله ؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ماقبلكم وخبر مابعدكم وحكم مابينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبارقصمة الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو التى لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنه ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضى عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا { إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به } من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم خذها اليك يا أعور ] ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول وفى حديث الحارث مقال

قلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات بل قد رواه محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي عن الحارث الأعور فبرئ حمزة من عهدته على أنه وإن كان ضعيف الحديث فإنه إمام في القراءة والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا والله أعلم

وقصارى هذا الحديث أنما يكون من كلام أمير المؤمنين على رضي الله عنه وقد وهم بعضهم في رفعه وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ

قال الإمام العلم أبوعبيد الله القاسم بن سلام رحمه الله في كتابة فضائل القرآن: ثنا أبو اليقظان عمار بن محمد الثوري أو غيره عن أبى إسحاق الهجري عن أبى الاحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: [ إن هذا القرآن مأدبة الله فتعلموا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد فاتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات أما أنى لا أقول: الم حرف ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر ]

وهذا غريب من هذا الوجه ورواه محمد بن تفضيل عن أبى إسحاق الهجري واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين ولكن تكلموا فيه كثيرا وقال أبو حاتم الرازى: لين ليس بالقوى وقال أبو الفتح الأزدى: رفاع كثير الوهم

قلت: فيحتمل - والله أعلم - أن يكون وهم في رفع هذا الحديث وإنما هو من كلام بن مسعود ولكن له شاهد من وجه أخر والله أعلم

وقال أبو عبيد أيضا: ثنا حجاج عن إسرائيل عن أبى اسحاق عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه الا القرآن فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله

الحديث الرابع

قال البخاري: ثنا عمرو بن محمد ثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا أبى عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: أخبرني أنس بن مالك أن الله تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي ثم توفى رسول الله ﷺ بعده

وهكذا رواه مسلم عن عمرو بن محمد هكذا وهوالناقد وحسن الحلواني وعبد بن حميد والنسائي عن اسحاق بن منصور الكوسج أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري به

ومعناه أن الله تعالى تابع نزول الوحي على رسوله ﷺ شيئا بعد شىء كل وقت بما يحتاج اليه ولم تقع فترة بعد الفترة الاولى التى كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى { اقرأ باسم ربك } فإنه استلبث الوحي بعدها حينا يقال قريبا من سنتين أو أكثر ثم حمى الوحي وتتابع وكان أول شىء نزل بعد تلك الفترة { يا أيها المدثر * قم فأنذر }

الحديث الخامس

قال البخاري: حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال سمعت جندبا يقول: [ اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا تركك ] فأنزل الله تعالى: { والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى }

وقد رواه البخاري في غير موضع ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أخر عن سفيان وهو الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن قيس العبدى عن جندب بن عبد الله البجلى به وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة الضحى

والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن أن الله تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة حيث جعل الوحي متابعا عليه ولم يقطعه عنه ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام

قال البخاري رحمه الله: نزل القرآن بلسان قريش والعرب قرآنا عربيا بلسان عربى مبين

حدثنا أبواليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام أن ينسخوها من المصاحف وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن نزل بلسانهم ففعلوا

هذا الحديث قطعة من حديث سيأتى قريبا الكلام عليه ومقصود البخاري منه ظاهر وهو أن القرآن الكريم نزل بلغة قريش وقريش خلاصة العرب ولهذا قال أبوبكر بن أبي داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد ثنا يزيد أخبرنا شيبان عن عبدالمالك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمربن الخطاب يقول: لا يملين في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف وهذا إسناد صحيح

وقال أيضا: حدثنا إسماعيل بن أسد ثنا هوذة ثنا عوف عن عبد الله ابن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر فإن القرآن نزل بلغة رجل من مصر وقد قال الله تعالى: { قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون } وقال تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين } وقال تعالى: { وهذا لسان عربي مبين } وقال تعالى: { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي } الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك

ثم ذكر البخاري رحمه الله حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي فذكر الحديث في الذي سأل عمن أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب وعليه جبة قال: [ فنظر رسول الله ساعة ثم فجأة الوحي فأشار عمر إلى يعلى - أي تعال - فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سرى عنه فقال: أين الذي سألنى عن العمرة آنفا فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب ]

وهذا الحديث رواه جماعة من طرق عديدة والكلام عليه في كتاب الحج ولا تظهر مناسبة ما بينه وبين هذه الترجمة ولا يكاد ولو ذكر في الترجمة التى قبلها لكان أظهر وأبين والله أعلم

جمع القرآن

قال البخاري: حدثنا موسى بن اسماعيل عن إبراهيم بن سعد ثنا ابن شهاب عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبوبكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبوبكر: إن عمر بن الخطاب أتاني فقال: إن القتل قد استحر بقراء القرآن وإنى أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله ؟ قال عمر: هذا والله خير ؟ فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدري لذلك ورأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد: قال أبوبكر: إنك رجل شاب عاقل لانتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان على أثقل مما أمرنى به من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ قال ؟ هو والله خير فلم يزل أبوبكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذي شرح له صدرأبى بكر وعمر رضي الله عنهما فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدها مع غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } حتى خاتمة براءة

فكانت الصحف عند أبى بكرحتى توفاه ألله ثم عند عمرحياته ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم

وقد روى البخاري هذا فيغير موضع من كتابه ورواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي من طرق عن الزهري به وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق رضي الله عنه فإنه أقامه الله تعالى بعد النبي ﷺ مقاما لا ينبغى لأحد من بعده: قاتل الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم ونفذ الجيوش وبعث البعوث والسرايا ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارىء من حفظه كله وكان هذا من سر قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }

فجمع الصديق الخير وكف الشرور رضي الله عنه وأرضاه ولهذا روى عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع وابن زيد وقبيصة عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير عن عبد خير عن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال: أعظم الناس أجرا في المصاحف أبو بكر إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين هذا إسناد صحيح

وقال أبو بكر بن أبى داود في كتاب المصاحف: حدثنا هارون بن إسحاق ثنا عبدة عن هشام عن أبيه أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ يقول: ختمه صحيح أيضا وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي تنبه لذلك لما استحرالقتل بالقراء أي اشتد القتل وكثرفى قراء القرآن يوم اليمامة يعنى يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه بنى حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت

وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشرألفا فالتقوا معهم فانكشف الجيش الإسلامى لكثرة من فيه من الأعراب فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد خلصنا يقولون ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا منهم وانفردوا فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالا شديدا وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة فلم يزل ذلك دأبهم حتى فتح الله عليهم وولى جيش الكفار فارا واتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلا وأسرا وقتل الله مسيلمة وفرق شمل أصحابه ثم رجعوا إلى الإسلام

ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة رضي الله عنهم فلهذا أشار عمرعلى الصديق بأن يجمع القرآن لئلا يذهب منه بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال فإذا كتب وحفظ صار محفوظا فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته فراجعه الصديق قليلا ليستثبت الأمر ثم وافقه وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك ثم صار إلى ما رأياه رضي الله عنهم أجمعين وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصارى ولهذا قال أبو بكر بن أبى داود: حدثنا يزيد بن مبارك عن فضالة عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة فقال: إنا لله ثم أمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف وهذا منقطع فإن الحسن لم يدرك عمر ومعناه أنه أشار بجمعه فجمع ولهذا كان مهيمنا على حفظه وجمعه كما رواه ابن أبى داود حيث قال: ثنا أبو الطاهر ثنا ابن وهب ثنا عمر بن طلحة الليثى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عمر لما جمع القرآن كان لايقبل من أحد شيئا حتى يشهد شاهدان وذلك عن أمر الصديق له في ذلك كما قال أبو بكر بن أبى داود: ثنا أبو الطاهر أنا ابن وهب [ أخبرني ابن أبى الزناد عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذ فرق أبوبكر رضي الله عنه أن يضيع فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه ] منقطع حسن

ولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة - يعنى قوله تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } إلى آخر الآيتين - مع أبى خزيمة الأنصارى [ وفى رواية مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين لم أجدها مع غيره ] فكتبوها عنه لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس التى ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي فأنكر الأعرابي البيع فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي

والحديث رواه أهل السنن وهو مشهور

وروى أبو جعفر الرازى عن الربيع عن أبى العالية أن أبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت وقد روى ابن وهب عن عمر بن طلحة الليثى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب أن عثمان شهد بذلك أيضا

وأما قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال وفى رواية: من العسب والرقاع والاضلاع وفى رواية: من الاكتاف والأقتاب وصدور الرجال أما العسب فجمع عسيب قال أبونصر اسماعيل بن حماد الجوهرى وهو من السعف فويق الكرب لم ينبت عليه الخوص وما نبت عليه الخوص فهو السعف واللخاف جمع لخفة وهى القطعة من الحجارة مستدقة كا نوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك ممايمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ

ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه فكان يحفظه فتلقاه زيد هذا من عسبه وهذا من لخافه ومن صدر هذا أي من حفظه وكانوا أحرص شىء على أداء الأمانات وهذا من أعظم الأمانة لأن الرسول ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده كما قال تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ففعل صلوات الله وسلامه عليه

ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد والصحابة أوفر ما كانوامجتمعين فقال: [ إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون ] قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت فجعل يشير بأصبعه إلى السماء عليهم ويقول: [ اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد ] رواه مسلم بن جابر وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: [ بلغوا عنى ولو آية ] يعنى ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة فليؤدها إلى من وراءه فبلغوا عنه أمرهم به فأدوا القرآن قرآنا والسنة سنة لم يلبسوا هذا بهذا

ولهذا قال عليه السلام: [ من كتب عنى سوى القرآن فليمحه ] أي لئلا يختلط بالقرآن وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها والله أعلم فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن ما أداه الرسول ﷺ إليهم - إلا وقد بلغوه إلينا ولله الحمد والمنة

فكان الذي فعله الشيخان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما من أكبر المصالح الدينية وأعظمها من حفظهما كتاب الله في الصحف لئلا يذهب منه شىء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته ثم أخذها عمر بعده فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته وكانت عند أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه كما سنذكره إن شاء الله

كتابة عثمان رضي الله عنه للمصاحف

قال البخاري رحمه الله: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا إبراهيم ثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله عنهما وكان يغازى أهل الشام في فتح أرمينيه وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى فأرسل عثمان إلى حفصة: أن ارسلى الينا بالصحف فننسخها ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد ابن العاص وعبدالرحمن بن الحرث بن هشام فنسخوها في المصاحف

وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أومصحف أن يحرق

قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت سمع زيد بن ثابت فقال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } فألحقناها في سورتها بالمصحف وهذا أيضا من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه

فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شىء ؟ وهو جمع الناس على قراءة واحدة لئلا يختلفوا في القرآن ووافقه على ذلك جميع الصحابة وانما روى عن عبد الله بن مسعود شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمرأصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتى قال على بن أبى طالب: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا فاتفق الأئمة الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلى على أن ذلك من مصالح الدين وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ: [ عليكم بسنتى وسنة الخلفاءالراشدين من بعدى ] وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فإنه لما كان غازيا في فتح أرمينية وأذربيجان وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى ورأى منهم اختلافا وافتراقا فلما رجع إلى عثمان أعلمه وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى

وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعاني أيضا وليس في توراة السامرة حروف الهمزة ولا حرف الهاء ولا الياء والنصارى أيضا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهى مخالفة لنسختي اليهود والسامرة

وأما الأناجيل التى بأيدى النصارى فأربعة: إنجيل مرقس وإنجيل لوقا وإنجيل متى وإنجيل يوحنا وهى مختلفة أيضا اختلافا كثيرا وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط ومنها ما هو أكثر من ذلك إما بالنصف أو الضعف ومضمونها سيرة عيسى عليه السلام وأيامه وأحكامه وكلامه ومعه شىء قليل مما يدعون أنه كلام الله وهي مع هذا مختلفة كما قلنا وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة

فلما قال حذيفة لعثمان أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التى عندها مما جمعه الشيخان ليكتب ذلك في مصحف واحد وينفذه إلى الآفاق ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه ففعلت حفصة

وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت الأنصارى أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشى الأسدى أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علما وعملا وأصلا وفضلا وسعيد بن العاص ابن أمية القرشى الأموى وكان كريما جوادا ممدحا وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومي

فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون بالقرآن نسخا وإذا اختلفوا في موضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان كما اختلفوا في التابوت أيكتبونه بالتاء أو الهاء ؟ فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت فتراجعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش فإن القرآن نزل بلغتهم وكان عثمان رضي الله عنه - والله أعلم - رتب السور في المصحف وقدم السبع الطول وثنى بالمئين

ولهذا روى ابن جرير وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث غير واحد من الأئمة الكتاب: عن عوف الأعرابي عن يزيد الفارسى عن ابن عباس قال: قلت لعثمان ابن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهى من المثاني وإلى براءة وهى من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر { بسم الله الرحمن الرحيم } ووضعتموها في السبع الطول ما حملكم على ذلك ؟ فقال عثمان: [ كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد فكان إذا نزل عليه الشىء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا ] وكانت الأنفال من أول ما نزلت بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن وكانت قصتها شبيهة بقصتها وحسبت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يتبين لنا أنها منها فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم فوضعتها في السبع الطول

ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في الصور أمر توقيفي متلقى عن النبي ﷺ وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبا آياته فإن نكسه أخطأ كثيرا وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان رضي الله عنه والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليا كما قرأ عليه السلام في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين وتارة بسبح و{ هل أتاك حديث الغاشية } فإن فرق جاز كما صح أن رسول الله قرأ في العيد بقاف و{ اقتربت الساعة } رواه مسلم عن أبي قتادة وفى الصحيحين عن أبى هريرة [ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة { ألم } السجدة و{ هل أتى على الإنسان } ] وإن قدم بعض السور على بعض جازأيضا فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران أخرجه مسلم وقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف

ثم إن عثمان رضي الله عنه رد الصحف إلى حفصة رضي الله عنها فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شىء يخالف المصاحف الأئمة التى نفذها عثمان إلى الآفاق مصحفا إلى مكة ومصحفا إلى البصرة وآخرإلى الكوفة وآخر إلى الشام وآخر إلى اليمن وآخر إلى البحرين وترك عند أهل المدينة مصحفا رواه أبو بكر بن أبى داود عن أبى حاتم السجستاني سمعه يقوله وصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف - وهذا غريب - وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم وإنما نقم عليه ذلك الرهط الذين تمالؤا عليه وقتلوه - قاتلهم الله - وذلك في جملة ما أنكروا ممالا أصل له وأما سادات المسلمين من الصحابة ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين فكلهم وافقوه

قال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغندر عن شعبة عن علقمة ابن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة: قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته

وقال أبو بكر بن أبى داود: ثنا أحمد بن سنان ثنا عبدالرحمن ثنا شعبة عن أبى إسحق عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك أو قال لم ينكر ذلك منهم أحد وهذا اسناد صحيح

وقال أيضا: حدثنا اسحق بن ابراهيم الصواف ثنا بن كثير ثنا ثابت بن عمارة الحنفى قال: سمعت غنيم بن قيس المازنى قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعا والله ما يسرنى أن عثمان لم يكتب المصحف وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام فأصبح له مثل ماله قال: قلنا له يا أبا العنبر لم ؟ قال لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر وحدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا محمدبن عبد الله - حدثني عمران بن حدير عن أبى مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القران لألفيت الناس يقرءون الشعر

وحدثنا أحمد بن سنان سمعت ابن مهدى يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلوما وجمعه الناس على المصحف

وأما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقد قال إسرائيل عن أبي إسحاق عن حميد بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف - يعنى بتحريقها - ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليغلل فإنه من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ وقال أبو بكر: ثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن النضر ثنا سعيد بن سليمان ثنا ابن شهاب عن الأعمش عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: من يغلل يأت بما غل يوم القيامة غلوا مصاحفكم وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة وأن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان والله ما نزل من القرآن شىء إلا وأنا أعلم في أي شىء نزل وما أحد أعلم بكتاب الله مني وما أنا بخيركم ولو أعلم مكانا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الخلق فما أحد ينكر ما قال. أصل هذا مخرج في الصحيحين وعندهما: ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله

وقول أبى وائل: فما أحد ينكرما قال يعني من فضله وحفظه وعلمه والله أعلم وأما أمره بغل المصاحف وكتمانها فقد أنكره عليه غير واحد

قال الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد عبد الله جبانا فما باله يواثب الأمراء ؟ وقال أبو بكر بن أبى داود باب رضي عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك

حدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان بن حسان العامري عن فلفلة الجعفى قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف فدخلنا عليه فقال رجل من القوم: انا لم نأتك زائرين ولكننا جئنا حين راعنا هذا الخبر فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد وهذا الذي استدل به أبو بكر رحمه الله على رجوع ابن مسعود فيه نظرمن جهة أنه لا تظهرمن هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه والله أعلم

وقال أبو بكر أيضا: حدثني عمي ثنا أبو رجاء أنا اسرائيل عن أبى إسحق عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: أيها الناس عهد نبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون قراءة أبى وقراءة عبد الله يقول الرجل: والله ما يقيم قراءتك وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شىء لما جاء به فكان الرجل يجىء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى تجمع من ذلك شىء كثير ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا فناشدهم: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك فيقول نعم فلما فرغ من ذلك عثمان قيل من أكتب الناس قال كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت قال فأي الناس أعرب قالوا: سعيد بن العاص قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد مصاحفا ففرقها في الناس فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح

وقال أيضا: ثنا إسحق بن إبراهيم بن زيد ثنا أبو بكر بن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت قال: فبعثوا إلى الربعة التى في بيت عمر فجىء بها قال: وكان عثمان يتعاهدهم فكانوا إذا تدارءوا في شىء أخروه قال محمد: فقلت لكثير وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه ؟ قال: لا قال محمد: فظننت ظنا كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله صحيح أيضا

قلت: الربعة هى الكتب المجتمعة وكانت عند حفصة رضي الله عنها فلما جمعها عثمان رضي الله عنه في المصحف ردها إليها ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها لأنها هى بعينها الذي كتبه وانما رتبه ثم أنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها فما زالت عندها حتى ماتت ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان كما رواه أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمد بن عوف ثنا أبو اليمان ثنا شعيب عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التى كتب منها القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه اياها قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله ابن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو يقول إنه قد كان شىء منها لم يكتب إسناد صحيح

وأما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحا به في غير هذه الرواية عن الزهري عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت والدليل على ذلك أنه قال فالحقناها في سورتها من المصحف وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية

فهذه الأفعال من أكبر القربات التى بادر إليها الأئمة الراشدون: أبوبكر وعمر رضي الله عنهما حفظا على الناس القرآن وجمعاه لئلا يذهب منه شىء وعثمان رضي الله عنه جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التى عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره عليه السلام فإنه عارضه به عامئذ مرتين ولهذا قال رسول الله لفاطمة ابنته لما مرض: [ وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي ] أخرجاه في الصحيحين

وقد روي أن عليا رضي الله عنه أراد أن يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبا حسب نزوله أولا فأول كما رواه ابن أبى داود رحمه الله حيث قال: ثنا محمد بن اسماعيل الأحمسي ثنا ابن تفضيل عن أشعث عن محمد ابن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي أن لا يرتدى برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل فأرسل إليه أبو بكر رضي الله عنه أيام أكرهت إمارتي يا أبا الحسن ؟ فقال: لا والله إلا أنى أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة فبايعه ثم رجع هكذا رواه وفيه انقطاع ثم قال لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث وهو لين الحديث وإنما رووا حتى أجمع القرآن يعني أتم حفظه فإنه يقال للذي يجمع القرآن قد جمع قلت وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر والله أعلم فإن عليا لم ينقل عنه مصحف عنىما قيل ولا غيرذلك ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال انها بخط علي رضي الله عنه وفى ذلك نظر فإن في بعضهم ( كتبه علي بن أبي طالب ) وهذا لحن من الكلام وعلي رضي الله عنه من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو فيما رواه عنه الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده ثم أخذ الناس عن أبي الاسود فوسعوه ووضحوه وصار علما مستقلا

وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل والله أعلم زاده الله تشريفا وتعظيما وتكريما فأما عثمان رضي الله عنه فيما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه وغيره فنسبت إلى عثمان لأنها بأمره واشارته ثم قرئت على الصحابة بين يدى عثمان ثم نفذت إلى الآفاق رضي الله عنه

وقد قال أبو بكر بن أبى داود: ثنا على بن حرب الطائي ثنا قريش بن أنس ثنا سليمان التيمي عن أبى نضرة عن أبى سعيد مولى بنى أسيد قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده فوقعت على { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } فمد يده وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل وقال أيضا: ثنا أبو الطاهر ثنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن مصحف عثمان فقال لي: ذهب يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة والله أعلم

قلت: وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدا وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره أن بشر ابن عبدالملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب ابن أمية وتعلمه من عمه سفيان بن حرب وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيئ من قرية هناك يقال لها بقة ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس ولهذا قال أبو بكر بن أبى داود: ثنا عبد الله بن محمد الزهري ثنا سفيان عن مجاهد عن الشعبي قال: سألنا المهاجرون: من أين تعلمتم الكتابة ؟ قالوا: من أهل الأنبار قلت: والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المكتوبة ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير وصار له في ذلك نهج وأسلوب في الكتابة ثم قربها على بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب وسلك الناس وراءه وطريقته في ذلك واضحة جيدة والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدا وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى وصنف الناس في ذلك واعتنى بذلك الإمام أبو بكر بن أبي داود رحمه الله فبوبا على ذلك وذكر قطعة صالحة هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا ههنا

ولهذا نص الإمام مالك على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام ورخص غيره في ذلك واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع

فأما كتابة السورة وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب فكثير من مصاحف زماننا والأولى اتباع السلف الصالح ثم قال البخاري: ذكركتاب النبي ﷺ

وأورد فيه من حديث الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت أن أبا بكرالصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ وذكر نحو ما تقدم في جمعه القرآن وقد تقدم وأورد حديث زيد بن ثابت في نزول { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } ولم يذكر البخاري أحدا من الكتاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت وهذا عجب وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا والله أعلم وموضع هذا في كتاب السيرة عند ذكر كتابه ﷺ

ثم قال البخاري رحمه الله: أنزل القرآن على سبعة أحرف

حدثنا سعيد بن عفير ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال [ أقرأنى جبريل عليه السلام على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف ]

وقد رواه أيضا في بدء الخلق ومسلم من حديث يونس ومسلم أيضا عن معمر كلاهما عن الزهري بنحوه ورواه ابن جرير من حديث الزهري به ثم قال الزهري: بلغنى أن تلك السبعة الأحرف إنما هى في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا في حرام وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال: حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد كلاهما عن حميد الطويل عن أنس بن مالك عن أبي بن كعب قال: [ ما حك في صدري شىء منذ أسلمت إلا أنني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا ؟ قال: نعم وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا قال: نعم فقال: إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري فقال جبريل: أقرأ القرآن على حرف فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف كاف شاف ]

وقد رواه النسائي من حديث يزيد - وهو ابن هارون - ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن حميد الطويل عن أنس عن أبي بن كعب بنحوه وكذا رواه ابن أبى عدى ومحمود بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب كلهم عن حميد به وقال ابن جرير ثنا محمد بن مرزوق ثنا أبو الوليد ثنا حماد بن سلمة بن حميد عن أنس بن عبادة بن الصامت عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: [ أنزل القرآن على سبعة أحرف ] فأدخل بينهما عبادة بن الصامت

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: ثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبى خالد حدثني عبد الله بن عيسى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبي بن كعب قال: [ كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فقمنا جميعا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه ثم دخل هذا فقرأ سوى قراءة صاحبه فقال لهما النبي ﷺ: ] اقرءا - فقرءا فقال - أصبتما [ فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال كبر علي ولا إذا كنت في الجاهلية فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا وكأنما أنظر إلى الله فرقا فقال: يا أبي إن الله أرسل إلي أن اقرأ القران على حرف فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل إلي أن أقرأ على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فأرسل أن أقرأه على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة تسألينها - قال - قلت: اللهم اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم عليه السلام ] وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد به

وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب ثنا محمد بن تفضيل عن اسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه عن جده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: [ إن الله أمرنى أن اقرأ القرآن على حرف واحد فقلت: رب خفف عن أمتي فقال: اقرأه على حرفين فقلت: رب خفف عن أمتي فأمرنى أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة كلها شاف كاف ]

وقال ابن جرير: حدثني يونس عن ابن وهب أخبرني هشام بن سعد عن عبيد الله ابن عمر عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبي بن كعب أنه قال: [ سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنى سمعت هذين يقرآن في سورة النحل فسألتهما من أقرأهما ؟ فقالا: رسول الله ﷺ فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: أقرأ - فقرأ فقال - أحسنت - ثم قال للآخر اقرأ - فقرأ - فقال - أحسنت قال أبي: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهى فضرب يده في صدرى ثم قال: اللهم أخسىء الشيطان عنه يا أبي أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد فقلت: رب خفف عن أمتي ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين فقلت: رب خفف عن أمتي ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك وقلت مثل ذلك ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة - فقال - يارب اللهم اغفر لأمتي يارب اغفر لأمتي واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة ] اسناد صحيح

قلت: وهذا الشك الذي حصل لأبى في تلك الساعة هو - والله أعلم - السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله قراءة اعلام وابلاغ ودواء لما كان حصل له سورة { لم يكن } إلى آخرها لاشتمالها على قوله تعالى

{ رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة } وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه من الحديبية على عمر بن الخطاب وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ ولأبى بكر الصديق وفيها قوله تعالى { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين }

وقال ابن جرير: ثنا محمد بن مثنى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن أبى ليلى عن أبي بن كعب [ أن رسول الله كان عند أضاة بنى غفار فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف قال: أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك قال: ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين قال: أسأل الله معافاته ومغفرته ان أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف قال: أسأل الله معافاته ومغفرته إن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا ]

وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به

وفى لفظ لأبي داود عن أبي بن كعب قال: قال لرسول الله ﷺ: [ إنى اقرئت القرآن فقيل: على حرف أو حرفين ؟ فقال الملك الذي معى: قل على حرفين فقيل لى: على حرفين أو ثلاثة ؟ فقال الملك الذي معى: قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال: ليس منها الا شاف كاف ان قلت سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب ]

وقد روى ثابت بن قاسم نحوا من هذا عن أبى هريرة عن النبي صلى اله عليه وسلم ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن على الجعفى عن زائدة عن عاصم عن زر عن أبى قال: لقى رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المرا فقال رسول الله ﷺ لجبريل: [ إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ ( الفاني ) والعجوز الكبيرة والغلام فقال: مرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف ] وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبى النجود عن زر عن حذيفة أن رسول الله ﷺ لقى جبريل عند أحجار المرا فذكر الحديث والله أعلم وهكذا رواه أحمد عن خالد عن حماد عن عاصم عن زر عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: [ لقيت جبريل عند أحجار المرا فقلت يا جبريل انى أرسلت أمة أمية الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ ( الفاني ) الذي لم يقرأ كتابا قط فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف ]

وقال أحمد أيضا: ثنا وكيع وعبد الرحمن عن سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن ربعي ابن خراش قال: حدثني من لم يكذبنى - حذيفة - [ قال: لقى النبي ﷺ عند أحجار المرا فقال: ان أمتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه ] وقال عبد الرحمن: [ إن من أمتك الضعيف فمن قرأعلى حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه ] هذا إسناد صحيح ولم يخرجوه

( حديث آخر ) في معناه عن سليمان بن صرد: قال ابن جرير: ثنا إسماعيل بن موسى السدى ثنا شريك عن أبى إسحاق عن سليمان بن صرد يرفعه قال: [ أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ قال: على كم ؟ قال: على حرف قال: زده حتى انتهى إلى سبعة أحرف ]

ورواه النسائي في اليوم والليلة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن اسحاق الأزرق عن العوام بن حوشب عن أبى إسحاق عن سليمان ابن صرد قال: أتىأبى ابن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة فذكر الحديث

وهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون عن العوام عن أبى اسحاق عن سليمان بن صرد عن أبى أنه أتى النبي ﷺ برجلين فذكره

وقال ابن جرير: ثنا أبو كريب ثنا يحيي بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن فلان العبدى - قال ابن جرير: ذهب عنى اسمه - عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب قال [: رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ فقلت: من أقرأك ؟ قال: رسول الله ﷺ فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرىء هذا قال: فقرأ فقال: أحسنت قال: قلت: إنك اقرأتنى كذا وكذا فقال: وأنت قد أحسنت قال: فقلت: قد أحسنت قد أحسنت قال: فضرب بيده على صدرى ثم قال: ] اللهم أذهب عن أبى الشك [ قال: ففضت عرقا وامتلأ جوفى فرقا قال الآخر: زده قال: قلت زدنى فقال: اقرأه على حرفين حتى بلغ سبعة أحرف اقرأه على سبعة أحرف ]

وقد رواه أبو عبيد عن حجاج عن إسرائيل عن أبى اسحاق عن سقير العبدى عن سليمان بن صرد عن أبي عن النبي ﷺ بنحو ذلك

ورواه أبو داوود عن أبى الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة عن يحيى بن عمر عن سليمان بن صرد عن أبي بن كعب بنحوه

فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبى ابن كعب والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعى شاهد ذلك والله أعلم

( حديث آخر عن أبى بكرة ) قال الإمام أحمد: ثنا عبد الرحمن عفان بن مهدى عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن عبد الرحمن ابن أبى بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: [ أتاني جبريل وميكائيل عليهما السلام فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد فقال ميكائيل: استزده قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة ] وهكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب عن زيد بن الحباب عن حماد بن سلمة به وزاد في آخره كقولك: هلم وتعال

( حديث آخر عن سمرة ) قال الإمام أحمد: ثنا بهز - وعفان كلاهما عن حماد بن سلمة أنا قتادة عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: [ أنزل القرآن على سبعة أحرف ] إسناد صحيح ولم يخرجوه ( حديث آخر عن أبى هريرة ) - قال الإمام أحمد: ثنا أنس بن عياض حدثني أبو حازم عن أبى سلمة لا أعلمه إلا عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [ نزل القرآن على سبعة أحرف المراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ] رواه النسائي عن قتيبة عن أبي ضمرة أنس بن عياض به

( حديث آخر عن أم أيوب ) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبيد الله - وهو ابن أبى يزيد - عن أبيه عن أم أيوب - يعنى امرأة أبى أيوب الأنصارية - أن رسول الله ﷺ قال: [ أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزاك ]

وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة

( حديث آخر عن أبى جهم ) - قال أبوعبيد: ثنا إسماعيل بن جعفر عن يزيد ابن خصيفة عن مسلم بن سعيد مولى الحضرمي - وقال غيره عن بسر بن سعيد - عن أبى جهم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله ﷺ فذكر أبو جهم أن رسول الله ﷺ قال: [ إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تماروا فإن مراء فيه كفر ]

وهكذا رواه أبو عبيد على الشك وقد رواه الإمام أحمد على الصواب فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعى ثنا سليمان بن بلال حدثني يزيد بن خصيفة أخبرني بسر بن سعيد حدثني أبو جهم [ أن رجلين اختلفا في آية من القرآن قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ فسألا النبي ﷺ فقال: القرآن يقرأ على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن مراء في القرآن كفر ] وهذا إسناد صحيح أيضا ولم يخرجوه

ثم قال أبو عبيد: ثنا عبد بن صالح عن الليث عن يزيد بن الهاد عن محمد بن ابراهيم عن بسر بن سعيد عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص [ أن رجلا قرأ آية من القرآن فقال عمرو - يعنى بن العاص -: إنما هى كذا وكذا بغير ما قرأ الرجل فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا الى رسول الله ﷺ حتى أتياه فذكرا ذلك له فقال رسول الله ﷺ إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فأى ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر ]

ورواه الإمام أحمد عن أبى سلمة الخزاعى عن عبد الله بن جعفر عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن بسر بن سعيد عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه فإن المراء فيه كفر إنه الكفر به

وهذا أيضا جيد ( حديث آخرعن ابن مسعود ) - قال ابن جرير: ثنا يونس بن عبد الأعلى أنا ابن وهب أخبرني حيوة بن شريح عقيل بن خالد عن سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: [ كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا ]

ثم رواه عن أبى كريب عن المحاربى عن ضمرة بن حبيب عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه والله أعلم

فصل

قال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة الا حديثا واحدا يروى عن سمرة ) ( ما ) حدثني عفان عن حماد بن سلمة عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: [ نزل القرآن على ثلاثة أحرف ]

قال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة لأنهاالمشهورة وليس معنى تلك ( السبعة ) أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه وهذا شيءغير موجود ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب - فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة أخرى والثانى بلغة أخرى سوى الأولى والثالثة بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض وذلك بين في أحاديث تترى

قال: وقد روى الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس قال نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجرمن هوازن قال أبوعبيد والعجر هم بنوا أسعد بن بكر وخيثم بن بكرونصر بن معاوية وثقيف وهم علياء هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء أفصح العرب علياء هوازن وسفلى تميم يعنى بنى دارم ولهذا قال عمر: لا يملى في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف قال ابن جرير: واللغتان الآخرتان قريش وخزاعه رواه قتادة عن ابن عباس ولكن لم يلقه

قال أبوعبيد: ثنا هشيم عن حصين بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه كان يسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر

قال أبوعبيد: يعنى أنه كان يستشهد به على التفسير

وحدثنا هشيم عن أبى بشر عن سعيد أو مجاهد عن ابن عباس في قوله: { والليل وما وسق } قال: ما جمع أنشد: قد اتسقن لو يجدن سائقا

حدثنا هشيم: أنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى { فإذا هم بالساهرة } قال: الأرض قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبى الصلت عندهم لحم بحر ولحم ساهرة

حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان عن ابراهيم بن مهاجر عن ابن عباس قال: كنت لا أدرى ما فاطر السموات والأرض ؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أنا ابتدأتها إسناد جيد أيضا

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله بعد ما أورد طرفا مما تقدم: وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجمع إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه

ثم قال: وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك عن سلف الأئمة وخيار الأئمة ؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التى تقدم ذكرها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التى نزل بهاالقرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه والذي قالوا من ذلك كما قالوا وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة كما تقدم يعنى كما تقدم في رواية أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة

قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هى المعانى التى فيها من الأمر والنهى والترغيب والترهيب والقصص والمثل التى إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى استوجب به الجنة ثم بسط القول في هذا بما حاصله أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف

ثم لما رأى الامام أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه إختلاف الناس في القراءة وخاف من تفرق كلمتهم جمعهم على حرف واحد وهو هذا المصحف الإمام قال: واستوسقت له الأمة على ذلك بل أطاعت ورأت أن فيما فعله الرشد والهداية وتركت القراءة بالأحرف الستة التى عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها حتى درست من الأمة معرفتها وانعفت آثارها فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها - إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها ؟ قيل ان أمره أياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض وإنما إباحة ورخصة لأن القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من تقوم بنقله الحجة ويقطع خبره العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة وفى تركهم نقل ذلك في كذلك أوضح دليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين - إلى أن قال - فأما ما كان ممن اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فعن معنى قول النبي ﷺ [ أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف ] بمعزل لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر في قول أحد من علماء الأمة وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر كما تقدم

الحديث الثاني

قال البخاري رحمه الله:

ثنا سعيد بن عفير ثنا الليث حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارى حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: [ سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة النبي ﷺ فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التى سمعتك تقرأ ؟ قال: اقرأنيها رسول الله ﷺ فقلت: كذبت فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إنى سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ: أرسله . اقرأ يا هشام فقرأ عليه القراءة التى سمعته يقرأ فقال ﷺ: كذلك أنزلت ثم قال: اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التى أقرأنى فقال رسول الله ﷺ: كذلك أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ماتيسر منه ]

وقد رواه الإمام أحمد والبخاري أيضا ومسلم وأبوداود والنسائي والترمذي من طرق عن الزهري ورواه الإمام أحمد أيضا عن ابن مهدى عن مالك عن الزهري عن عروة عن عبدالرحمن بن عبد ( القارئ ) عن عمر فذكر الحديث بنحوه

وقد قال الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد ثنا حرب بن ثابت ثنا إسحاق بن عبد الله ابن أبى طلحة عن أبيه عن جده قال: [ قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله فلم يغير على قال: فاجتمعنا عند النبي ﷺ فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: قد أحسنت قال: فكأن عمر وجد من ذلك فقال رسول ال ﷺ له يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم يجعل عذاب مغفرة ومغفرة عذابا ] وهذا إسناد حسن وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبى ثابت لانعرف أحدا جرحه

أقوال العلماء في معنى السبعة الأحرف

وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال قال أبو عبد الله محمد بن أبى بكر بن فرح الأنصارى القرطبي المالكي في مقدمات تفسيره: وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستى ونحن نذكر منها خمسة أقوال

قلت: ثم سردها القرطبي وحاصلها ما أنا مورده ملخصا:

( الأول ) وهو قول أكثر أهل العلم منهم سفيان بن عيينة وعبد الله ابن وهب وأبو جعفر محمد بن جرير والطحاوى: أن المراد سبعة أوجه من المعانى المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم وقال الطحاوى: وأبين ما ذكرفى ذلك حديث أبى بكرة قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف فقال ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكل كاف شاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب بآية رحمة نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل

وروى ورقاء عن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ { يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم }: للذين أمنوا أمهلونا للذين آمنواأخرونا للذين آمنوا أرقبونا وكان يقرأ { كلما أضاء لهم مشوا فيه }: مروا فيه سعوا فيه قال الطحاوى وغيره: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط واتقان الحفظ وقد ادعى الطحاوى والقاضي والباقلانى والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر ثم نسح بزوال العذر وتيسير الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة

قلت: وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور بإتباعهم وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمه وتكفير بعضهم بعضا فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخير التى عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره علمه السلام وعزم عليهم أن لايقرءوا بغيرها وأن لا يتعاطوا الرخصة التى كانت لهم فيها سعة ولكنها أدت إلى الاختلاف والفرقة كما ألزم عمر الخطاب الناس بالطلاق الثلاث المجموعة حتى تتابعوا فيها وأكثروا منها قال: فلو أنا أمضيناه عليهم وأمضاه عليهم وكذلك كان ينهى عن المتعه في أشهر الحج لئلا تقطع زيارة البيت في غير أشهر الحج وقد كان أبو موسى يبيح التمتع فترك فتياه اتباعا لأمير المؤمنين وسمعا وطاعة للأئمة المهديين

( القول الثاني ) - أن القرآن نزل على سبعة أحرف وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله { وعبد الطاغوت } و{ يرتع ويلعب } قال القرطبي: ذهب إلى هذا القول أبو عبيد واختاره ابن عطية قال أبو عبيد: وبعض اللغات أسعد به من بعض وقال القاضي الباقلانى: ومعنى قول عثمان إنه نزل بلسان قريش أي معظمه ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله قال الله تعالى: { قرآنا عربيا } ولم يقل قرشيا قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولا واحدا يعنى حجازها ويمنها وكذا قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر قال: لأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشا لا تهمز وقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدرى معنى { فاطر السماوات والأرض } حتى سمعت أعرابيا يقول لبئرابتدأ حفرها: أنا فطرتها

( القول الثالث ) - إن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف قبائله خاصة لقول عثمان أن القرآن نزل بلغة قريش وقريش هم بنو النضر ابن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب كما ينطق به الحديث في سنن ابن ماجه وغيره

( القول الرابع ) - وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء منها ما لا تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه مثل ( ويضيق صدري ) ويضيق ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه مثل ( فقالوا ربنا باعد - وباعد - بين أسفارنا ) وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف مثل ننشزها وننشرها أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل ( كالعهن المنفوش - أو - كالصوف المنقوش ) أو باختلاف الكلمة واختلاف المعانى مثل ( وطلح منضود - وطلع منضود ) أو بالتقدم والتأخر: مثل ( وجاءت سكرة الموت بالحق - أو - سكرة الحق بالموت ) أو بالزيادة مثل ( تسع وتسعون نعجة - أنثى - وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين - فإن الله بعد إكراههن لهن غفور رحيم )

( القول الخامس ) - أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن وهى أمر ونهى ووعد ووعيد وقصص ومجادلة وأمثال قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن هذه لاتسمى حروفا وأيضا فالاجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال ولا في تغييرشىء من المعانى وقد أورد القاضي الباقلانى في هذا حديثا ثم قال: وليست هذه هى التى أجاز لهم القراءة بها

فصل

قال القرطبي: قال كثير من علمائنا كالداودى وابن أبى صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع ليست هى الأحرف السبعة التى اتسعت الصحابة في القراءة بها وإنما هى راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف ذكره ابن النحاس وغيره قال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها وإنما اختار القراءة المنسوبة إلية لأنه رآها أحسن وأولى عنده قال: ولقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الاجماع على الصواب وحصل ما وعد الله من حفظه الكتاب

تأليف القرآن

قال البخاري رحمه الله: حدثنا ابراهيم بن موسى أنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال وأخبروني يوسف بن ماهك قال: إنى عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها اذ جاءها عراقى فقال: أي الكفن خير ؟ قالت ويحك ما يضرك ؟ قال ياأم المؤمنين أرينى مصحفك فقالت: لم ؟ قال: لعلى أولف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف قالت: وما يضرك أية قرأت قبل ؟ إنما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس الى الاسلام نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شىء نزل: لا تشربوا لقالوا لا ندع الخمر أبدا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لاندع الزنا أبدا لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإنى لجارية ألعب { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر } وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وانا عنده قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور

والمراد من التأليف ههنا - ترتيب سوره وهذا العراقي سأل أولا عن أي الكفن خير أو أفضل فأخبرته عائشة رضي الله عنها أن هذا مما لا ينبغى أن يعتنى بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد فإن في هذا تكلفا لاطائل تحته وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت فى الاسئلة كما سأل بعضهم عبد الله بن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ولهذا لم تبالغ معه عائشة رضي الله عنها في الكلام لئلا يظن أن ذلك أمر مهم وإلا فقد روى أحمد وأهل السنن من حديث سمرة وابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: [ البسوا من ثيابكم البياض وكفنوا فيها موتاكم فإنها أطهر وأطيب ] وصححه الترمذي من الوجهين وفى الصحيحين عن عائشة أنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وهذا محرر 1فى باب الكفن من كتاب الجنائز ثم سألها عن ترتيب القرآن فانتقل إلى سؤال كبير وأخبرها أنه يقرأ غير مؤلف أي مرتب السور وكأن هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه إلى الآفاق بالمصاحف الائمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم وقبل الالزام به والله أعلم ولهذا أخبرته أنه لا يضرك بأى سورة بدأت وأن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنة والنار وهذه إن لم تكن ( اقرأ ) فقد يحتمل أنها أرادت اسم جنس لسور المفصل التى فيها الوعد والوعيد ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولا فأولا وهذا من حكمة الله ورحمته ومعنى هذا الكلام أن هذه السورة أو السور التى فيها ذكر الجنة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف مع أنها من أول ما نزلت وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده

فأما ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة بل هو أمر توقيعى عن رسول الله ﷺ كما تقدم تقرير ذلك ولهذا لم ترخص له في ذلك بل أخرجت له مصحفها فأملت عليه أي السور والله أعلم وقول عائشة: لا يضرك بأى سورة بدأت يدل على أنه لو قدم بعض السور أو كما يدل عليه حديث حذيفة وهو في الصحيح أخرعليه السلام قرأ في قيام الليل البقرة ثم النساء ثم آل عمران

وقد حكى القرطبي عن أبى بكر بن الأتباري في كتاب الرد أنه قال: فمن آخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الايات وغير الحروف والكلمات وكان مستنده اتباع مصحف عثمان رضي الله عنه فإنه مرتب على هذا النحو المشهور

والظاهر أن ترتيب السور منه ما هو راجع إلى رأى عثمان رضيالله عنه وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له عن ترك البسلمة في أول براءة وذكره الأنفال من الطول والحديث في الترمذي وغيره بإسناد جيد قوي

وقد ذكرنا عن على أنه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله ولهذا حكى القاضي الباقلانى أن أول مصحفه كان اقرأ باسم ربك الأكرم وأول مصحف ابن مسعود { مالك يوم الدين } ثم البقرة ثم النساء على ترتيب مختلف وأول مصحف أبى { الحمد لله } ثم النساء ثم آل عمران ثم الأنعام ثم المائدة ثم كذا على اختلاف شديد

ثم قال القاضي: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ماهو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم وكذا ذكر مكي في تفسير سورة براءة قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل فهو من النبي ﷺ وقال ابن وهب في طائفة: سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة ؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه وقد أجمعوا على العلم بذلك فهذا مما ينتهى إليه ولا يسئل عنه قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ قال أبو الحسن ابن بطال: إنا نجد تأليف سورة في الرسم والخط خاصة ولا نعلم أن أحدا قال إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفى القرآن ودرسه وأنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة ولا الحج بعد الكهف ألا ترى إلى قول عائشة: لايضرك أية قرأت قبل [ وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التى تليها ] قال: وأما ما روى عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا وقالا: إنما ذلك منكوس القلب فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة فيبتدئ بآخرها إلى أولها فإن ذلك حرام محظور ( ثم قال البخاري: ثنا آدم عن شعبة عن أبى اسحاق قال: سمعت عبدالرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بنى إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء انهن من العتاق الأول وهن من تلادى. انفرد بإخراجه البخاري والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية وقوله من العتاق الأول أي من قديم ما نزل وقوله وهن من تلادى أي من قديم ماقنيت وحفظت والتالد في لغتهم قديم المال والمتاع والطارق حديثه وجديده والله أعلم

حدثنا أبو الوليد ثنا شعبة أنا أبو اسحق سمع البراء بن عازب رضيالله عنه يقول: تعلمت { سبح اسم ربك الأعلى } قبل أن يقدم النبي ﷺ وهذا متفق عليه وهو قطعة من حديث الهجرة والمراد منه أن { سبح اسم ربك الأعلى } سورة مكية نزلت قبل الهجرة والله أعلم

( ثم قال ) ثنا عبدان عن أبى حمزة عن الأعمش عن شقيق قال: قال عبد الله: [ لقد علمت النظائر التى كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة فقام عبد الله ودخل معه علقمة وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود آخرهن من الحواميم حم الدخان وعم يتساءلون ]

هذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان رضي الله عنه فان المفصل في مصحف عثمان رضي الله عنه من سورة الحجرات إلى آخره وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: ثنا عبدالرحمن بن مهدى ثنا عبد الله بن عبدالرحمن الطائفى عن عثمان بن عبد الله ابن أوس الثقفى عن جده أوس بن حذيفة قال: [ كنت في الوفد الذين اتوا النبي ﷺ فذكر حديثا فيه أن النبي ﷺ كان سمر معهم بعد العشاء فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء قال: قلنا ما أمكثك عنا يارسول الله ؟ قال طرأ على حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا قال: قلنا كيف تخرجون القرآن ؟ قالوا نحزبه ثلاث سور وخمس سور وسبع سور وتسع سور وإحدى عشرة سورة وثلاث عشرة سورة وحزب المفصل من ( ق ) حتى يختم ] ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبدالرحمن بن يعلى الطائفى به وهذا إسناد حسن

فصل

فأما نقط المصحف وشكله فيقال أن أول من أمر به عبد الملك ابن مروان فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط فأمر الحسن البصرى ويحيى ابن يعمر ففعلا ذلك ويقال أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدولى وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى ابن يعمر والله أعلم

وأما كتابة الأعشار على الحواشي فينسب إلى الحجاج أيضا وقيل: بل أول من فعله المأمون وحكى أبوعمرو الدانى عن ابن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وكان يحكه وكره مجاهد ذلك أيضا وقال مالك: لا بأس به بالحبر فأما بالألوان المصبغة فلا واكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسا وقال قتادة: بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا وقال يحيى بن كثير أول ما أحدثوا النقط وقال: هو نور له ثم أحدثوا النقط عند آخر الاى ثم أحدثوا الفواتح والخواتم ورأى إبراهيم النخعى فاتحة سورة كذا فأمر بمحوها وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه قال أبو عمرو الدانى: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها

معارضة جبريل النبي ﷺ القرآن

ثم قال البخاري رحمه الله كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ قال مسروق عن فاطمه عن عائشة: أسر إلى رسول الله ﷺ [ أن جبريل كان يعارضنى بالقرآن كل سنة وإنه عارضنى العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلى ] هكذا ذكره معلقا وقد أسند في مواضع أخر ثم قال: ثنا يحيى بن قزعة ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: [ كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير وأجود ما يكون في رمضان لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهررمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله القرآق فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة ] وهذا الحديث متفق عليه وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد والله أعلم

ثم قال: ثنا خالد بن يزيد ثنا أبو بكر عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: [ كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مره فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض ]

ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن أبى بكر وهو ابن عياش عن أبى حصين واسمه عثمان بن عاصم به والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقى ويذهب ما نسخ توكيدا واستثباتا وحفظا ولهذا عارضه في السنة الأخيرة من عمره عليه السلام على جبريل مرتين وعارضه به جبريل كذلك ولهذا فهم عليه السلام اقتراب أجله

وعثمان رضي الله عنه جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة رضيالله عنه وأرضاه وخص بذلك رمضان من بين الشهور لأن ابتداء الإيحاء كان فيه ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة في تلاوة القرآن كما تقدم ذكرنا لذلك

القراء من أصحاب النبي ﷺ

حدثنا حفص بن عمر ثنا شعبة عن عمرو عن إبراهيم عن مسروق ذكر عبد الله ابن عمر وعبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه سمعت النبي ﷺ يقول: [ خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود وسالم ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب رضي الله عنهم ]

وقد أخرجه البخاري في المناقب في غير موضع ومسلم والنسائي من حديث الأعمش بن أبى وائل عن مسروق به فهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبى حذيفة وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ المدينة واثنان من الأنصار معاذ بن جبل وأبي بن كعب وهما سيدان كبيران رضي الله عنهم أجمعين

ثم قال: حدثنا عمر بن حفص ثنا أبى ثنا الأعمش ثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أنى من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون فما سمعت رادا يقول غير ذلك

حدثنا محمد بن كثير ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة قال: [ كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال أحسنت ووجد منه ريح الخمر فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر ؟ فجلده الحد ]

حدثنا عمر بن حفص ثنا أبى ثنا الأعمش ثنا مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين انزلت ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه

وهذا كله حق وصدق وهو من أخبار الرجل عما يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره فيجوز ذلك للحاجة كما قال تعالى إخبارا عن يوسف كما قال لصاحب مصر { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم } ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ [ استقرئوا القرآن من أربعة ] فبدأ به وقال أبو عبيد ثنا مصعب بن المقدام عن سفيان عن الأعمش عن ابراهيم عن عمرو عن النبي ﷺ: [ من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد ] وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبى معاوية عن الأعمش به مطولا وفيه قصة وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبى معاوية به وصححه الدارقطنى وقد ذكرته في مسند عمر وفى مسند الإمام أحمد أيضا عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [ من أحب يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد ] وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعو كان يعرف بذلك

ثم قال البخاري: ثنا حفص بن عمر ثنا همام ثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ورواه مسلم من حديث همام ثم قال البخاري تابعه الفضل عن حسين بن واقد عن ثمامة عن أنس بن مالك حدثنا معلى بن أسد ثنا عبد الله بن المثنى ثنا ثابت وثمامة عن أنس بن مالك قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة أبوالدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال: ونحن ورثناه

فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط وليس هذا هكذا بل الذي لايشك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضا ولعل مراده لم يجمع القرآن من الأنصار وهم أبى ابن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها وفى الثانية من أفراد البخاري أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد وكلهم مشهورون إلا أبا زيد هذا فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث وقد اختلف في اسمه فقال الواقدي وأسمه قيس بن السكن بن قيس بن ذعور بن حرام بن جندب ابن عامر غنم بن عدى بن النجار وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيدابن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية من الأوس وقيل: هما اثنان جمعا القرآن حكاه أبوعمر بن عبدالبر وهذا بعيد وقول الواقدى أصح لأنه خزرجى لأن أنسا قال: نحن ورثناه وهم من الخزرج وفى الألفاظ: وكان أحد عمومتي وقال قتادة عن أنس قال افتخر الحيان الأوس والخزرج فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبى عامر ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ ومنا من اجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي وقد شهد أبو زيد هذا - بدرا فيما ذكره غير واحد وقال موسى بن عقبة عن الزهري قتل أبوزيد قيس بن السكن يوم جسر أبى عبيد على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة

والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق رضي الله عنه قدمه رسول الله في مرضه إماما على المهاجرين والأنصار مع أنه قال: [ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ] فلولا أنه كان اقرأهم لكتاب الله لما قدمه عليهم هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعرى وقد بسطت تقريرذلك في مسند الشيخين رضي الله عنهما

ومنهم عثمان بن عفان قد قرأه في ركعة كما سنذكره وعلى بن أبى طالب يقال أنه جمعه على ترتيب ما أنزل وقد قدمنا هذا

ومنهم عبد الله بن مسعود وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم أنزلت ولو علمت أحدا أعلم منى بكتاب الله تبلغه المطى لذهبت إليه

ومنهم سالم مولى أبى حذيفة وكان من السادات النجباء والأئمة النقباء وقد قتل يوم اليمامة شهيدا

ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس بن عبدالمطلب بن عم الرسول وترجمان القرآن وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقفه عند كل آية وأسأله عنها

ومنهم عبد الله بن عمرو كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج عن عبد الله بن أبى مليكة عن يحيى بن حكيم بن صفوان عن عبد الله بن عمرو قال: [ جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: اقرأه في شهر ] وذكر تمام الحديث

ثم قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل أنا يحيى عن سفيان عن حبيب ابن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال عمر: على أقضانا وأبى أقرؤنا وإنا لندع من لحن أبى وأبى يقول أخذته من في رسول الله ﷺ فلا أتركه لشىء قال الله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشىء يظنه صوابا وهو خطأ في نفس الأمر ولهذا قال الامام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر أي فكله مقبول صلوات الله وسلامه عليه

ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها وذكرنا في كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب ثم قال: نزول السكينة والملائكة عند القراءة

وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد بن محمد بن ابراهيم عن الحضير قال: [ بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده اذ جالت الفرس فسكت فسكنت فقرأ فجالت الفرس فسكت فسكنت ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف وكان ابنه يحيىقريبا منها فأشفق أن تصيبه فلمااجتره رفع رأسه إلى السماء حتى يراها فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: اقرأ يا ابن حضير اقرأ يا ابن حضير قال: فأشفقت أن تطأ يحيى وكان منها قريبا فرفعت رأسى فانصرفت إليه فرفعت رأسي الى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها قال وتدرى ما ذاك قال: لا قال: تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ]

قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدرى عن أسيد بن الحضير

هكذا أورد البخاري هذا الحديث معلقا وفيه انقطاع في الرواية الأولى فان محمدا بن ابراهيم بن الحارث التيمى المدني تابعى صغير لم يدرك أسيدا لانه مات سنة عشرين وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ثم فيه غرابة من حيث انه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد ولم أره بسند متصل عن الليث بذلك إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك

وقد رواه الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن فقال: وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بكير عن الليث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى عن أسيد بن حضير فذكر الحديث إلى آخره ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب عن أبى سعيد بن أسيد بن حضير بهذا الحديث

وقد رواه النسائي في فضائل القرآن عن محمد بن عبد الله بن عبدالحكم عن شعيب بن الليث وعن على بن محمد بن على عن داود بن منصور كلاهما عن الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن يزيدابن عبد الله - وهو ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد عن أسيد به ورواه يحيى بن بكير عن الليث كذلك أيضا فجمع بين الإسنادين ورواه في المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطى عن يعقوب بن ابراهيم عن أبيه عن يزيد ابن الهاد عن عبد الله بن خباب عن أبى سعيد أن أسيد ابن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث ولم يقل عن أسيد ولكن ظاهره أنه عنه والله أعلم

وقال أبو عبيد: حدثني عبد الله بن صالح عن الليث عن ابن شهاب عن أبى كعب بن مالك عن أسيد بن حضير أنه كان يقرأ على ظهر بيته يقرأ القرآن وهو حسن الصوت ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه

وحدثنا قبيصة عن حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن عبدالرحمن ابن أبى ليلى عن أسيد بن حضير قال: [ قلت يا رسول الله بينما أنا اقرأ البارحة بسورة فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبة من خلفى حتى ظننت أن فرسى تطلق فقال رسول ﷺ: اقرأ أبا عتيك مرتين قال: فالتفت فرأيت الىأمثال المصابيح ما بين السماء والأرض فقال رسول الله ﷺ: إقرأ أبا عتيك فقال: والله ما استطعت أن أمضى فقال: تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن أما أنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب ]

وقال أبو داود الطيالسي:

ثنا شعبة عن أبى إسحق سمع البراء يقول: [ بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض - أو قال فرسه يركض - فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة فذكر ذلك لرسول الله فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن - أو تنزلت على القرآن ]

وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة

والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير رضي الله عنه فهذا يتعلق بصناعة الإسناد وهذا من أغرب تعليقات البخاري رحمه الله ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة وقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الخضير لثابت بن قيس بن شماس كما قال أبو عبيد: ثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه [ أن رسول الله قيل له: ألم تر ثابت بن قيس ابن شماس ؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح قال: فلعله قرأ سورة البقرة قال فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة ]

وفى الحديث المشهور الصحيح: ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا تنزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده

رواه مسلم عن أبى هريرة ولهذا قال الله تعالى: { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا } جاء في بعض التفاسيرأن الملائكة تشهده وقد جاء في الصحيحين عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: [ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيعرج إليه الذين نزلوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ]

من قال لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين

حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا سفيان عن عبدالعزيز بن رفيع قال: [ دخلت وشداد بن معقل على ابن عباس فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شىء ؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين ]

تفرد به البخاري ومعناه أنه ﷺ ما ترك مالا ولا شيئا يورث عنه كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية: ما ترك رسول الله ﷺ دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا وفى حديث أبى الدرداء: إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم فمن أخذه بحظ وافر ولهذا قا ل ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعنى القرآن والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة أي تابعة له والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى كما قال تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } الآية

فالأنبياء عليهم السلام لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها وإنما خلقوا للآخرة يدعون اليها ويرغبون فيها ولهذا قال رسول الله ﷺ: [ مما تركنا فهو صدقة ] وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبوبكر الصديق رضي الله عنه لما سئل ميراث رسول الله ﷺ فأخبر عنه بذلك ووافقه على نقله عنه عليه السلام غير واحد من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلى والعباس وطلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم وهذا ابن عباس يقوله أيضا عنه عليه السلام رضي الله عنهم أجمعين

فضل القرآن على سائر الكلام

حدثنا هدبة بن خالد أبو خالد ثنا همام ( ثنا قتادة ) ثنا أنس بن مالك عن أبى موسى رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: [ مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب والذي لايقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل الفاجر الذي لايقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مرولاريح لها ]

وهكذا رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودا وعدما فدل على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر ثم قال: ثنا مسدد ثنا يحيى عن سفيان حدثني عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: [ انما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال: من يعمل لى إلى نصف النهار على قيراط ؟ فعملت اليهود فقال: من يعمل لى من نصف النهار إلى العصر ؟ فعملت النصارى ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين قالوا: نحن أكثر عملا وأقل عطاء قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا: لا قال: فذاك فضلى أوتيته من شئت ]

تفرد به من هذا الوجه ومناسبته للترجمة أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلت الأمم الماضية مع طول مدتها كما قال تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس }

وفى المسند والسنن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: [ أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ] وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمنا عليه وناسخا له وخاتما له لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة وهذا القرآن نزل بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزل عليه فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى والنصارى من ثم إلى أن بعث محمدا ﷺ ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة وهو المشبه بآخر النهار وأعطى المتقدمين قيراطا قيراطا وأعطى هؤلاء قيراطين ضعفى ما أعطى أولئك فقالوا أي ربنا ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا ؟ فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا ؟ قالوا: لا قال: فذاك فضلى - أي الزائد على ما أعطيتكم أوتيه من اشاء كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم }

الوصاة بكتاب الله

حدثنا محمد بن يوسف ثنا مالك بن مغول ثنا طلحة هو ابن مصرف [ سألت عبد الله بن أبى أوفى: أوصى النبي ﷺ ؟ قال: لا قال: قلت فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوص ؟ قال: أوصى بكتاب الله تعالى ]

وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق عن مالك ابن مغول به وهذانظير ما تقدم عن ابن عباس أنه ما ترك إلا ما بين الدفتين وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } وأما هو ﷺ فلم يترك شيئا يورث عنه وأما له صدقة جارية من بعده فلم يحتج إلى وصية في ذلك ولم يوص الى خليفة يكون بعده على التنصيص لأن الأمر كان ظاهرا من إشاراته وايماءاته إلى الصديق ولهذا لما هم بالوصية إلى أبى بكر ثم عدل عن ذلك قال: [ يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ] وكان كذلك وإنما أوصى الناس باتباع كلام الله

من لم يتغن بالقرآن

وقول الله تعالى { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم }

حدثنا يحيى بن بكير: ثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبى هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: قال رسول الله ؟ [ لم يأذن الله لشىء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ] وقال صاحب له: يريد يجهر به فرد من هذا الوجه ثم رواه عن على بن عبد الله بن المدينى عن سفيان بن عيينة عن الزهري به قال سفيان: تفسيره يستغني به

وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينه به ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشىء كاستماعه لقراءة نبى يجهر بقراءته ويحسنها وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية وذلك هو الغاية في ذلك وهو سبحانه وتعالى يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم كما قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم كما قال تعالى { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه } الآية ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم ومنهم من فسرالاذن ههنا بالأمر والأول أولى لقوله: [ ما أذن الله لشىء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن ] أي يجهر والاذن الاستماع لدلالة السياق عليه وكما قال تعالى { إذا السماء انشقت * وأذنت لربها وحقت * وإذا الأرض مدت * وألقت ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت } أي استمعت لربها وحقت أي وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه فالاذن ههنا هو الاستماع ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه بسند جيدعن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: [ لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلي قينته ]

وقول سفيان بن عيينة أن المراد بالتغنى به فان أرادأنه يستغنى به عن الدنيا وهو الظاهرمن كلامه الذي تابعه عليه أبوعبيدالقاسم بن سلام وغيره فخلاف الظاهر من مراد الحديث لأنه قد فسر بعض رواته بالجهر وهوتحسين القراءة والتحزين بها قال حرملة سمعت ابن عيينة يقول معناه يستغنى به فقال لى الشافعى ليس هو هكذا ولو كان هكذا لكان يتغانى إنما هو يتحزن ويترنم به قال حرملة وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به وهكذا نقل المزنى والربيع عن الشافعى رحمه الله

وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } فيه نظر لأن هذه الآية ذكرت ردا على الذين سألو آيات تدل على صدقه حيث قال { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين * أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } الآية ومعنى ذلك أو لم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي { وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون } أي وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغنى بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا ؟ فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية فيه نظر

فصل: فى إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات

قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن قباث بن رزين عن على بن رباح اللخمى عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن قال: [ تعلموا كتاب الله واقتنوه - قال: وحسبت أنه قال وتغنوا به - فوالذي نفسى بيده لهو اشد تفلتا من المخاض العقل ] وحدثنا عبد الله بن صالح عن موسى بن على عن أبيه عن عقبة عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: [ واقتنوه وتغنوا به ] ولم يشك

وهكذا رواه النسائي في كتاب فضائل القرآن من حديث موسى بن على عن أبيه به ومن حديث عبد الله بن يزيد المقرى عن قباث بن رزين عن على ابن رباح عن عقبة - وفى بعض ألفاظه: [ خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا وذكرالحديث ففيه دلالة على السلام على القارىء ] وقال أبو عبيد: ثنا أبو اليمان عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى مريم المهاجر ابن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: [ يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وتغنوه وتقنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون ] وهذا مرسل ثم قال أبو عبيد: قوله تغنوه أي اجعلوه غناءكم من الفقر ولاتعدوا الإقلال معه فقرا وقوله وتقنوه يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال اجعلوه ما لكم

وقال أبوعبيد: حدثني هشام بن عمار بن يحيى بن حمرة عن الأوزاعي قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر عن فضالة بن عبيد عن النبي ﷺ قال: [ لله أشد أذنا الى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته ]

قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده يقول عن إسماعيل عبيد الل ه عن مولى فضالة عن فضالة وهكذا رواه ابن ماجة عن راشد سعيد بن أبى راشد عن الوليد عن الأوزاعى عن إسماعيل بن عبيد الله عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة عن النبي ﷺ: [ لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرأن من صاحب القينة إلى قينته ]

قال أبو عبيد: يعنى الاستماع وقوله في الحديث الاخر [ ما أذن الله لشىء ] أي ما استمع

وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن حميد ثنا سلمة بن الفضل ثنا عبد الله بن عبدالرحمن بن أبى مليكة حدثنا القاسم بن محمد حدثني السائب قال: [ قال لى سعد: يا ابن أخى هل قرأت القرآن ؟ قلت: نعم قال: غن به فإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: غنوا بالقرآن ليس منا من لم يغن بالقرآن وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا ]

وقد روى أبو داود من حديث الليث عن عبد الله بن أبى مليكة عن عبد الله بن أبى نهيك عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: [ إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا فإن لم تبكو فتباكوا وتغنوا به فمن لم يتغن به فليس منا ] وفى الحديث كلام طويل يتعلق بسنده ليس هذا موضعه والله أعلم

وقال أبو داود: ثنا عبد الأعلى بن حماد ثنا عبدالجبار بن الورد قال: [ سمعت ابن أبى مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبى زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه فإذا رجل رث البيت رث الهيئة ( فانتسبنا له فقال: تجار كسبة ) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ليس منا من لم يتغن بالقرآن ] قال: فقلت لابن أبى مليكة يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال: يحسنه ما استطاع تفرد به أبو داود فقد فهم من هذا أن السلف رضي الله عنهم إنما فهموا من التغنى بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه كما قال الأئمة رحمهم الله ويدل على ذلك أيضا ما رواه أبو داود حيث قال: ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن الأعمش عن طلحة عن عبدالرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال قال رسول الله ﷺ: [ زينوا القرآن بأصواتكم ]

وأخرجه النسائي وأبن ماجة من حديث شعبة عن طلحة وهذا اسناد جيد وقد وثق النسائي وابن حبان عبدالرحمن بن عوسجة هذا ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم يحمدونه

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث [ زينوا القرآن بأصواتكم ] قال أبو عبيد: وانما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة فلهذا نهاه أن يحدث به ( قلت ): ثم إن شعبة رحمه الله روى الحديث متوكلا على الله كما روى له وولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها على محاملها الشرعية المرادة وبالله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله والمراد تحسين الصوت بالقرآن تطريبه وتحزينه والتخشع به كما رواه الحافظ الكبير تقى بن مخلد رحمه الله حيث قال: ثنا أحمد بن ابراهيم عن أبى موسى عن أبيه قال: [ قال لى رسول الله ﷺ ذات يوم: يا أبا موسى لو رأيتنى وأنا أستمع قراءتك البارحة قلت أما والله لو علمت آنك تسمع قراءتى لحبرتها لك تحبيرا ]

رواه مسلم من حديث طلحة به وزاد [ لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ] وسيأتى هذا في - بابه حيث يذكره البخاري والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا فدل على جواز تعاطى ذلك وتكلفه وقد كان أبو موسى كما قال عليه السلام: قد أعطى صوتا حسنا - كما سأذكره إن شاء الله - مع خشية تامة ورقة أهل اليمن فدل على أن هذامن الأمور الشرعية قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أبى سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى فيقرأ عنده قال أبو عبيد: ثنا سليمان التيمى أو نبئت عنه ثنا أبو عثمان النهدى كان أبو موسى يصلى بنا فلو قلت أنى لم أسمع صوت صنج قط ولايربط قط ولاشيئا قط أحسن من صوته

وقال ابن ماجه: حدثنا العباس بن الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم حدثني حنظلة بن أبى سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: [ أبطأت على رسول الله ليلة بعدالعشاء ثم جئت فقال: أين كنت ؟ قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك مثل قراءته وصوته من أحد قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له ثم التفت إلى فقال: هذا سالم مولي أبى حذيفة الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا ] إسناد جيد وفى الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: [ سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه وفي بعض ألفاظه فلما بلغ هذه الآية { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون * أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون } كاد قلبي أن يطير وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأساري بعد بدر وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع القلب كما قال قال أبو عبيد: ثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ليث عن طاوس قال: أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله وحدثنا قبيصة عن سفيان عن ابن جريج عن ابن طاوس عن أبيه وعن الحسن بن مسلم عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أحسن صوتا بالقرآن ؟ فقال: الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله ]

وقد روى هذا متصلا من وجه آخر فقال ابن ماجه حدثنا بشر بن معاذ الضرير ثنا عبد الله بن جعفر المدينى ثنا ابراهيم بن اسماعيل بن مجمع عن الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: [ ان من أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله ] ولكن عبد الله بن جعفر هذا - وهو والد على بن المدينى - وشيخه ضعيفان والله أعلم والغرض أن المطلوب شرعا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والإنقياد للطاعة فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائى فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم عبيد القاسم بن سلام رحمه الله حدثنا نعيم بن حماد عن بقية ابن الوليد عن حصين بن مالك الفزارى قال سمعت شيخا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: [ اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر وسيجىء قوم من بعدى بالقرآن يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح لايجاوز حناجرهم مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم ]

وحدثنا يزيد عن شريك عن أبى اليقظان عثمان بن عمير زاذان أبي عمر عن عليم قال: [ كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد لا أعلمه الا قال عابس الغفارى فرأى الناس يخرجون في الطاعون قال: ما هولاء ؟ قال يفرون من الطاعون فقال يا طاعون خذني فقالوا أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لايتمنين أحدكم الموت فقال: إنى أبادر خصالا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته بيع الحكم والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بافقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء وذكر خلتين آخرتين ] وحدثنا يعقوب بن إبراهيم عن ليث بن أبى سليم عن عثمان بن عمير عن زاذان عن عابس الغفارى عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه وحدثنا يعقوب عن ابراهيم عن الأعمش عن رجل عن أنس أنه سمع رجلا يقرأ القرآن بهذه الألحان التى أحدث الناس فأنكر ذلك ونهى عنه. وهذه طرق حسنة

باب الترهيب

وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التى يسلك بها مذاهب الغناء وقد نص الأئمة رحمهم الله على النهى عنه فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا فقد اتفق العلماء على تحريمه والله أعلم

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن معمر ثنا روح ثنا عبيدالله بن الأخنس عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ [ ليس منا من لم يتغن بالقرآن ] ثم قال: إنما ذكرنا هذا لتبيين الاختلاف على ابن أبى مليكة فيه فرواه عبدالجبار بن الورد عنه عن ابن أبى مليكة عن أبى لبابة ورواه عمرو بن دينار والليث عنه عن أبى نهيك عن سعد ورواه عسل بن سفيان عنه عن عائشة ورواه نافع مولى ابن عمر عنه عن ابن الزبير

اغتباط صاحب القرآن

حدثنا أبواليمان أنا شعيب عن الزهري حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول: [ لاحسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب فهو يقوم به آناء الليل والنهار ورجل اعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار ] انفرد به البخاري من هذا الوجه واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري ثم قال البخاري: ثنا على بن إبراهيم ثنا روح ثنا شعبة عن سليمان قال: سمعت ذكوان عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [ لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فسمعه جار له فقال: ليتنى أوتيت مثلما أوتيت فلان فعملت مثل ما يعمل ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحق فقال رجل: ليتنى أوتيت مثل ماأوتى فلان فعملت مثل ما يعمل ] [ ومضمون هذين الحديثين أن صاحب القرآن في غبطة وهى حسن الحال فينبغى أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه ويستحب تغبيطه بذلك يقال: غبطه يغبطه بالكسر غبطا إذا تمنى مثل ما هوفيه من النعمة وهذا بخلاف الحسد المذموم وهو تمنى زوال نعمة المحسود عنه سواء حصلت لذلك الحاسد أولا وهذا مذموم شرعا مهلك وهو أول معاصى ابليس حين حسد آدم على ما منحه الله تعالى من الكرامة والإحترام والإعظام والحسد الشرعى الممدوح هو تمنى حال مثل ذاك الذي هو على حالة سارة ولهذا قال عليه السلام: ] لا حسد إلا في اثنتين [ فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن آناء الليل والنهاروالنعمة المتعدية وهى نفاق المال بالليل والنهار ] كما قال تعالى { إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور }

وقد روى نحو هذا من وجه آخر فقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبى بخط يده: كتب إلى أبو توبة الربيع بن نافع فكان في كتابه: حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن يزيد بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: [ لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل آعطاه لله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار ويتبع ما فيه فيقول رجل: لوأن الله أعطانى مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق ويتصدق فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدق به ] وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد: ثنا عبد الله بن محمد بن نمير ثنا عبادة بن مسلم وحدثني يونس بن حباب عن سعيد أبى البحترى الطائى عن أبي بن كبشة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه فأما الثلاث التى أقسم عليهن فإنه ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم أحد مظلمة فيصبر عليها الا زاده الله بها عزا ولا يفتح عبدا باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر - وأما الذي أحدثكم حديثا فاحفظوه فإنه قال - إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقى فيه ربه ويصل رحمه ويعلم لله فيه حقه - قال - فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو يقول: لو كان لى مال عملت بعمل فلان - قال - فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغيرعلم لايتقى فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيه حقه فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لى مال لفعلت بعمل فلان - قال - هى نيته فوزرهما فيه سواء ]

وقال أيضا: حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن أبى كبشة الأنمارى قال: - قال رسول الله ﷺ: [ مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل به في ماله فينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا فهو يقول: لو كان لى مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله - فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول لو كان لى مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل - قال: قال رسول الله - فهما في الوزر سواء ] إسناد صحيح ولله الحمد والمنة

خيركم من تعلم القرآن وعلمه

حدثنا حجاج بن منهال ثنا شعبة أخبرني علقمة بن مرثد سمعت سعد ابن عبيدة عن أبى عبد الرحمن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] وأقرأ أبو عبدالرحمن إمرة عثمان رضي الله عنه حتى كان الحجاج قال: وذلك الذي أقعدنى مقعدى هذا

وقد أخرج الجماعة هذا الحديث سوى مسلم من رواية شعبة عن علقمة بن مرثد عن سعد بن عبيدة عن أبى عبدالرحمن وهو عبد الله بن حبيب السلمى رحمه الله وحدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبى عبدالرحمن السلمى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: [ إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه ] وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن سفيان عن علقمة عن أبى عبد الرحمن من غيرذكر سعد بن عبيدة كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة وخطأ بندار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان عن علقمة عن سعد ابن عبيدة عن أبى عبدالرحمن وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان بإسقاط سعد بن عبيدة ورواية سفيان أصح وفى هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد طول لولا الملالة لذكرناه وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك والله أعلم

والغرض أنه ﷺ قال: [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل وهم الكمل في أنفسهم المكملين لغيرهم وذلك جمع بين النفع القاصر والمتعدى وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لاينفعون ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع كما قال تعالى

{ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب } وكما قال تعالى { وهم ينهون عنه وينأون عنه } في أصح قولى المفسرين في هذا هو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضا فجمعوا بين التكذيب والصد كما قال تعالى { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } فهذا شأن شرار الكفار كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال عليه السلام [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] وكما قال تعالى { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين } فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك مما يبتغى به وجه الله وعمل هو في نفسه صالحا وقال قولا صالحا أيضا فلا أحد أحسن حالا من هذا وقد كان أبو عبدالرحمن عبد الله بن حبيب السلمى الكوفى أحد أئمة الإسلام ومشايخهم ممن رغب في هذا المقام فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة رحمه الله وأثابه وآتاه ما طلبه ورامه آمين

قال البخاري: حدثنا عمرو بن عون ثنا حماد بن أبى حازم عن سهل ابن سعد قال: [ أتت النبي صلى االله عليه وسلم امرأة فقالت إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله فقال: مالي في النساء من حاجة فقال رجل: زوجنيها قال أعطها ثوبا قال: لا أجده قال: أعطها ولو خاتما من حديد فاعتل له فقال: ما معك من القرآن قال: كذا وكذا قد زوجتكها بما معك من القرآن ]

وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة والغرض منه الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن وأمره النبي ﷺ ان يعلم تلك المرأة ويكون ذلك صداقا لها على ذلك وهذا فيه نزاع بين العلماء: هل يجوز أن يجعل صداقا ؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن ؟ وهل هذا كان خاصا بذلك الرجل ؟ وما معنى قوله عليه السلام [ زوجتكها بما معك من القرآن ] أي بسبب ما معك كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك وهذا أقوى لقوله في صحيح مسلم فعلمها وهذا هو الذي أراده البخاري ههنا وتحرير باقى الخلاف مذكور في باب النكاح والإجارات وبالله المستعان

القراءة عن ظهر قلب

إنما أورد البخاري في هذه الترجمة حديث أبى حازم عن سهل ابن سعد الحديث الذي تقدم الآن وفيه [ أنه عليه السلام قال للرجل: فما معك من القرآن ؟ قال: معى سورة كذا وسورة كذا لسور عدها قال: اتقرأهن عن ظهر قلب ؟ قال: نعم اذهب قد ملكتها بما معك من القرآن ] وهذه الترجمة من البخاري رحمه الله مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل والله أعلم ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة كما صرح به غير واحد من السلف وكرهوا أن يمضى على الرجل يوم لاينظرفى مصحفه واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإمام العلم أبو عبيد رحمه الله في كتابه فضائل القرآن: حدثنا نعيم بن حماد عن بقية ابن الوليد عن معاوية بن يحيى عن سليم بن مسلم عن عبد الله بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: [ فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرؤه ظهرا كفضل الفريضة على النافلة ] وهذا الإسناد فيه ضعف فإن معاوية ابن يحيى هذا هو الصدفى أو الأطرابلسي وأيا ما كان فهو ضعيف وقال الثوري عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف وقال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن ماهك عن ابن عباس عن عمر أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه وقال حماد أيضا عن ثابت عن عبدالرحمن بن أبى ليلى عن ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع اليه إخوانه نشروا المصحف فقرأ أو فسر لهم إسناد صحيح وقال حماد بن سلمة عن حجاج بن أرطاة عن ثوير بن أبى فاخته عن ابن عمر قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ وقال الأعمش عن خيثمة: دخلت على ابن عمرو وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا جزئى الذي أقرأ به الليلة

فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير فالاستثبات أولى والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن لأن الكتابة لا تدل على الأداء كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن فأما عند العجز عما يلقن فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية فاذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه فقد قال الإمام أبوعبيد: حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقى عن محمد بن شعيب عن الأوزاعى أن رجلا صحبهم في سفر قال: فحدثنا حديثا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: [ إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل ] وحدثنا حفص بن أبى غياث عن الشيبانى عن بكير بن الأخنس قال كان يقال إذا قرأ الأعجمى والذي لايقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسئلة على الخشوع فإن كان الخشوع أكثر عند القرا ة عن ظهر قلب فهو أفضل وإن كان عند النطر في المصحف أكثر فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى لأنها أثبت وتمتاز بالنظر إلى المصحف قال الشيخ أبو زكريا النواوى رحمه الله في التبيان: والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفضيل

تنبيه إن كان البخاري رحمه الله أراد بذكره حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهرقلب أفضل منها في المصحف ففيه نظر لأنها قضية عين فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه فلا يدل على أن التلاوة عن ظهرقلب أفضل مطلقا في حق من يحسن إذ لو دل على هذا لكان ذكر حال رسول الله وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمى لايدرك الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده

الثاني: إن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السورعن ظهر قلب ليمكنه تعليمها لزوجته وليس المراد ههنا أن هذا أفضل من التلاوة نظرا ولا عدمه والله سبحانه وتعالى أعلم

استذكار القرآن وتعاهده

حدثنا عبد الله بن يوسف أنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: [ إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت ]

هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به وقال الإمام أحمد: ثنا عبدالرزاق أنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: [ مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له ابل فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت فكذلك صاحب القرآن ] أخرجاه قاله ابن الجوزى في جامع المسانيد وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به حدثنا محمد بن عرعرة ثنا شعبة عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: [ بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت آية كيت وكيت بل نسى واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم ] تابعه بشر هو ابن محمد السختيانى عن ابن المبارك عن شعبة وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبى داود الطيالسي عن شعبة به وقال: حسن صحيح

وأخرجه النسائي من رواية شعبة وحدثنا عثمان بن جرير عن منصور مثله وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جرير به وستأتى رواية البخاري له عن أبى نعيم عن سفيان الثوري عن منصور به والنسائي من رواية ابن عيينه عن منصور به فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعا في رواية هولاء كلهم وقد رواه النسائي عن قتيبة عن حماد بن زيد عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله موقوفا وهذا غريب وفي مسند أبى يعلى فإنما هو نسى بالتخفيف وتابعه ابن جريج عن عبدة عن شقيق قال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جارة عن عبدة وهو ابن ابى لبابة حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبى موسى عن النبي ﷺ قال: [ تعاهدوا القرآن فوالذي نفسى بيده لهو أشد تفصيا من الابل في عقلها ]

وهكذا رواه مسلم عن أبى كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد الأشعري كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به

وقال الامام أحمد ثنا على بن إسحاق أنا عبد الله بن المبارك أنا موسى بن على سمعت أبى يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: [ تعلموا كتاب الله وتعاهدوا وتغنوا به فوالذي نفسى بيده لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل ]

ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظة للنسيان فإن ذلك خطأ كبير نسأل الله العافية منه فإنه قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد ثنا خالد عن يزيد بن أبى زياد عن عيسى بن فايد عن رجل عن سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [ ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقى الله يوم يلقاه وهو أجذم ] وهكذا رواه جرير بن عبدالحميد ومحمد بن فضيل عن يزيد بن أبى زياد كما رواه خالد بن عبد الله وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن ادريس عن يزيد بن أبى زياد عن عيسى بن فايد عن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن ولم يذكر الرجل المبهم وكذا رواه أبو بكر بن عياش عن يزيد عن أبى زياد وقد رواه سعيد عن زيد ووهم في إسناده ورواه وكيع عن أصحابه عن يزيد عن عيسى بن فايد عن النبي ﷺ مرسلا وقد رواه الإمام أحمد في مسند عبادة بن الصامت فقال: ثنا عبد الصمد ثنا عبدالعزيز بن مسلم ثنا يزيد بن أبى زياد عن عيسى بن فايد عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: [ ما من أميرعشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه منها إلا عدله وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقى الله القيامة أجذم ] وكذا رواه أبو عوانة عن يزيد بن أبى زياد ففيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول والله أعلم لاسيما ان كان له شاهد من آخر كما قال أبو عبيد: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: [ عرضت على أجور أمتي حتى القذاة والعبرة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوليتها رجل فنسيها ] قال ابن جريج: وحدثت عن سلمان الفارسى قال: قال رسول الله ﷺ: [ من أكبر ذنوب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها ] وقد روى أبوداود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبى رواد عن ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: [ عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت على ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها ]

قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وذاكرت به البخاري فاستغربه

وحكى الوابلي عن عبد الله بن عبدالرحمن الدارمى أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك قلت: وقد رواه محمد بن يزيد الآدمى عن ابن أبى ( رواد ) عن ابن جريج عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ به فالله أعلم وقد أدخل بعض المفسرين هذاالمعنى في قوله تعالى { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى } وهذا الذي قاله هذا وان لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه ولهذا قال عليه السلام: [ تعاهدوا القرآن ] وفى لفظ [ استذكروا القرآن فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم ] التقصى التخلص: يقال تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها تقصى النوى من الثمرة إذا تخلص منها أي أن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال

وقال أبو عبيد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم قال عبدال له يعنى ابن مسعود - إنى لأمقت القارىء أن أراه سمينا نسيا للقرآن وحديث عبد الله بن المبارك عن عبدالعزيز بن أبى داود قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن فنسيه إلا بذنب يحدثه لأن الله تعالى يقول { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب ولهذا قال اسحاق ابن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمرعليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام كما سيأتى هذا حيث يذكره البخاري بعد هذا وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب ولكن ذكر بعد هذا قوله:

القراءة على الدابة

حدثنا حجاج أنا شعبة أنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله ابن مغفل رضي الله عنه قال: [ رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح ] وهذا الحديث قد خرجه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن شعبة عن أبى إياس وهو معاوية بن قرة به وهذا أيضا له تعلق بما تقدم من القرآن وتلاوته سفرا وحضرا ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارىء في الطريق وقد نقله ابن أبى داود عن أبى الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق وقد روى عن عمر بن عبدالعزيز أنه أذن في ذلك وعن الإمام مالك أنه كره ذلك كما قال ابن أبى داود: حدثني أبو الربيع أنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلى من آخر الليل فخرج الىالمسجد وقد بقى من السورة التى كان يقرأ منها شىء فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق وقال الشعبى: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواضع في الحمام وفى الحشوش وفىبيت الرحى وهى تدور وخالفه القراءة في الحمام كثير من السلف أنها لا تكره وهو مذهب مالك والشافعى وإبراهيم النخعى وغيرهم وروى ابن أبى داود عن على ابن أبى طالب أنه كره ذلك ونقله ابن المذر عن أبى وائل شقيق بن سلمة والشعبى والحسن البصرى ومكحول وقبيصة بن ذؤيب وهو رواية عن إبراهيم النخعى

ويحكى عن أبى حنيفة رحمه الله أن القراءة في الحمام تكره وأما القراءة في الحش فكراهتها ظاهره ولو قبل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن لكان مذهبا وأما القراءة في بيت الرحى وهى تدور فلئلا يعلو غير القرآن عليه والحق يعلو ولا يعلى والله أعلم

تعلم الصبيان القرآن

حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم قال: وقال ابن عباس: توفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم حدثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا هشيم أنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال [ جمعت المحكم في عهد النبي ﷺ فقلت له: وما المحكم ؟ قال المفصل ] انفرد بإخراجه البخاري وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن لأن ابن عباس أخبرعن سنه حين موت رسول الله وقد كان جمع المفصل وهو من الحجرات كما تقدم ذلك وعمره إذ ذاك عشر سنين

وقد روى البخاري أنه قال: توفى رسول الله وأنا مختون وكانوا لايختنون حتى يحتلم فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين جمعا بين هذه الرواية وتلك ويحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر وترك مازاد عليها من الكسر والله أعلم

وعلى كل تقدير ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا وهو ظاهر بل قد يكون مستحبا أو واجبا لأن الصبى إذا تعلم القرآن بلغ وهويعرف ما يصلى به وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرا وأشد علوقا بخاطره وأرسخ وأثبت كما هو المعهود من حال الناس وقد استحب بعض السلف أن يترك الصبى في ابتداء عمره قليلا للعب ثم توفر همته على القراءة لئلا يلزم أولا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب وكره بعضهم تعليمه القرآن وهو لايعقل ما يقال له ولكن يترك حتى إذا عقل وميزعلم قليلا بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه واستحب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يلقن خمس آيات رويناه عنه بسند جيد

نسيان القرآن وهل يقول نسيت آية كذا وكذا ؟

وقول الله { سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله } حدثنا الربيع بن يحيى ثنا زائدة ثنا هشام عن عروة عن عائشة قالت: [ لقد سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: رحمه الله لقد أذكرنى أية كذا وكذا من سورة كذا ] انفرد به وحدثنا محمد بن عبيد ابن ميمون ثنا عيسى بن يونس عن هشام وقال: [ أسقطتهن من سورة كذا وكذا ] انفرد به أيضا تابعه على بن مسهر وعبدة عن هشام وقد أسندهما البخاري في موضع آخر ومسلم معه في عبدة حدثنا أحمد بن أبى رجاء ثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: [ سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا أية كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا ] ورواه مسلم من حديث أبى أسامة حماد بن أسامة

( الحديث الثاني ) حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [ بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت كيت وكيت بل هو نسى ] ورواه مسلم والنسائي من حديث منصور به وقد تقدم وفى مسند أبى يعلى إنما هو نسى بالتخفيف هذا لفظه وفى هذا الحديث والذي قبله دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له إذا كان بعد الاجتهاد والحرص وفى حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك فلا يقول نسيت كذا فإن النسيان ليس من فعل العبد وقد تصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضى إلى ذلك فأما النسيان نفسه فليس بفعله ولهذا قال بل هو نسى مبنى لما لم يسم فاعله وأدب أيضا في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت } وهو - والله أعلم - من باب المجاز الشائع بذكر المسبب وإرادة السبب لان النسيان عن سبب قد يكون ذنبا كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان والحسنة تذهب السيئة فإذا زال السبب للنسيان انزاح فحصل الذكر للشىء بسبب ذكر الله تعالى والله أعلم

من لم ير بأسا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا

حدثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبى ثنا الأعمش حدثني ابراهيم عن علقمة وعبدالرحمن بن يزيد عن أبى مسعود الأنصارى قال: قال رسول الله ﷺ: [ الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه ]

وهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبدالرحمن بن يزيد وصاحبا الصحيح والنسائي وابن ماجة من حديث علقمة كلاهما عن أبى مسعود عتبة ابن عمرو الأنصارى البدرى

( الحديث الثاني ) - ما رواه من حديث الزهري عن عروة عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القارى كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان وذكرالحديث بطوله كما تقدم وكما سيأتي

( الحديث الثالث ) - ما رواه من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة سمع رسول الله ﷺ قارئا يقرأ من الليل في المسجد فقال: رحمه الله أذكرنى كذا وكذا آية كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا وهكذا في الصحيحين عن ابن مسعود أنه كان يرمى الجمرة من الوادى ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة وكره بعض السلف ذلك ولم يروا أن يقال إلا السورة التى يذكر فيها كذا وكذا كما جاء وتقدم من رواية يزيد الفارسى عن ابن عباس عن عثمان أنه قال: [ إذا نزل من القرآن شىء يقول رسول الله ﷺ: اجعلوا هذا في السورة التى يذكر فيها كذا وكذا ] ولاشك أن هذا أحوط وأولى ولكن قد صحت أحاديث بالرخصة في الآخر وعليه عمل الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم وبالله التوفيق

الترتيل في القراءة

وقوله عزوجل { ورتل القرآن ترتيلا } وقوله { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } وما يكره أن يهذ كهذ الشر ( يفرق فيها ) يفصل قال ابن عباس ( فرقناه ) فصلناه حدثنا أبو النعمان ثنا مهدى بن ميمون ثنا واصل عن أبى وائل عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة فقال: هذا كهذ الشعر ؟ إنا قد سمعنا القراءة وإنى لأحفظ القرناء اللاتى كان يقرأ بهن النبي ﷺ ثمانى عشرة سورة من المفصل وسورتين من آل حم ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن مهدى بن ميمون عن واصل وهو ابن حبان الأحدب عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود به وقال الإمام أحمد: ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن زياد بن نعيم عن مسلم بن مخراق عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسا يقرءون القرآن في الليل مرة أو مرتين فقالت: أولئك قرأوا ولم يقرأوا كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه

( الحديث الثانى ) - ثنا قتيبة ثنا جرير عن موسى بن أبى عائشة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى { لا تحرك به لسانك لتعجل به } [ كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي كان يحرك به لسانه أو شفتيه فيشتد عليه ] وذكر تمام الحديث كما سيأتي وهو متفق عليه وفيه وفى الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هذرمة ولا بسرعة مفرطة بل بتأمل وتفكر قال الله تعالى { كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب } وقال الإمام أحمد: ثنا عبدالرحمن عن سفيإن عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [ يقال لصاحب القرآن: اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخرآية تقرؤها ]

وقال أبو عبيد: ثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: قرأ علقمة على عبد الله فكأنه عجل فقال عبد الل ه: فداك أبى وأمى رتل فإنه زين القرآن قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن

وحدثنا اسماعيل بن ابراهيم عن أيوب عن أبى حمزة قال قلت لابن عباس: إنى سريع القراءة وإنى أقرأ القرآن في ثلاث فقال: لأن اقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إلى من أن أقرأ كما تقول وحدثنا حجاج عن شعبة وحماد بن سلمة عن أبى حمزة عن ابن عباس نحو ذلك إلا أن في حديث حماد أحب إلى من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة

ثم قال البخاري: مد القراءة

حدثنا مسلم بن ابراهيم ثنا جرير بن حازم الأزدى ثنا قتادة: [ سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي ﷺ فقال: كان يمد مدا ]

وهكذا رواه أهل السنن من حديث جرير بن حازم به حدثنا عمرو بن عاصم ثنا همام عن قتادة قال: [ سئل أنس بن مالك: كيف كان قراءة النبي ﷺ ؟ فقال: كانت مدا ثم قرأ { بسم الله الرحمن الرحيم } يمد ببسم الله ويمد الرحمان ويمد الرحيم ] انفرد به البخاري من هذا الوجه وفى معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد ثنا أحمد بن عثمان عن عبد الله بن المبارك عن الليث بن سعد عن ابن أبى مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ مفسرة حرفا حرفا وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل عن يحيى بن إسحق وأبو داود بن يزيد بن خالد الرملى والترمذي والنسائي كلاهما عن قتيب ة كلهم عن الليث بن سعد به وقال الترمذي: حسن صحيح ثم قال أبو عبيد: وحدثنا يحيى بن سعيد الأموى عن ابن جريج عن ابن ابى مليكة عن أم سلمة قالت: [ كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته { بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين } ] وهكذا رواه أبو داود من حديث ابن جريج وقال الترمذي: غريب وليس إسناده بمتصل يعنى أن عبد الله بن عبيد الله بن أبى مليكة لم يسمعه من أم سلمة انما رواه عن يعلى بن مملك كما تقدم والله تعالى أعلم

الترجيع

حدثنا آدم بن أبى إياس حدثنا شعبة حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال [ رأيت النبي ﷺ وهويقرأ سورة الفتح على ناقته أو جمله ويسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة وهو يرجع ] وقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة وأنه من المتفق عليه وفيه أن ذلك كان يوم الفتح وأما الترجيع فهو الترديد في الصوت كما جاء أيضا في البخاري أنه جعل يقول: وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته فدل على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف بل ذلك مغتفرللحاجة كما يصلى على الدابة حيث توجهت به مع إمكان تأخير ذلك والصلاة إلى القبلة والله أعلم

حسن الصوت بالقراءة

حدثنا محمد بن خلف أبو بكر حدثنا ( أبويحيى ) الحمانى ثنا بريد بن عبد الله بن أبى بردة عن جده أبى بردة عن أبى موسى أن رسول الله ﷺ قال: [ يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود ]

وهكذا رواه الترمذي عن موسى بن عبدالرحمن الكندى عن أبى يحيى الحمانى واسمه عبدالحميد بن عبد الرحمن وقال: حسن صحيح - وقد رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة عن أبى بردة عن موسى وفيه قصة وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن وذكرت هناك أحكاما أغنى عن إعادتها ههنا والله تعالى أعلم

من أحب أن يسمع القراءة من غيره

حدثنا عمر بن حفص بن غياث ثنا أبى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: [ قال لى النبي ﷺ: اقرأ على القرآن قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال: ( إنى أحب أن أسمعه من غيرى ] وقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طريق الأعمش وله طرق يطول بسطها وقد تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة عن يحيى بن طلحة عن أبى بردة عن أبى موسى أن رسول الله ﷺ قال له: [ يا أبا موسى لو رأيتنى وأنا أستمع لقراءتك البارحة ] فقال: أما والله لوأعلم أنك تستمع قراءتى لحبرتها لك تحبيرا

وقال الزهري عن أبى سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى فيقرأ عنده وقال أبوعثمان النهدى: كان أبو موسى يصلى بنا فلو قلت أنى لم أسمع صوت صنج قط ولا بربط قط ولا شيئا قط أحسن من صوته

قول المقرىء للقارىء حسبك

حدثنا محمد بن يوسف ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله قال: [ قال لى رسول الله ﷺ: اقرأ على فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال: نعم فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } قال: حسبك الآن فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان ]

أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة من رواية الأعمش به ووجه الدلالة ظاهر وكذا الحديث الاخر [ اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم عليه فإذا اختلفتم فقوموا ]

في كم يقرأ القرآن

وقول الله تعالى { فاقرؤوا ما تيسر منه } حدثنا علي حدثنا سفيان قال قال لى ابن شبرمة نظرت كم يكفى الرجل من القرآن ؟ فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات فقلت لا عن ابراهيم عن عبدالرحمن بن يزيد أخبره علقمة عن أبى مسعود فلقيته وهو يطوف بالبيت فذكر النبي ﷺ أن: [ من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه ] وقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه وقد جمع البخاري فيما بين عبدالرحمن بن يزيد وعلقمة عن ابن مسعود وهو صحيح لأن عبد الرحمن سمعه أولا من علقمة ثم لقى أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه وعلى هذا هو ابن المدينى وشيخه سفيان ابن عيينة وما قاله عبد الله قاضي الكوفة وفقيه الكوفة في زمانه استنباط حسن

وقد جاء في حديث في السنن [ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات ] ولكن هذا الحديث - أعنى حديث أبى مسعود - أصح وأشهر وأخص ولكن وجه مناسبته للترجمة التى ذكرها البخاري فيه نظر والله أعلم والحديث الثانى أظهر في المناسبة وهو قوله: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن مجاهد عن عبد الله ابن عمرو قال: [ أنكحنى أبى امرأة ذات حسب فكان يتعاهدها كبنته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشاولم يفتش لنا كنفا منذ اتيناه فلما طال ذلك عليه ذكرللنبى ﷺ فقال: القنى به فلقيته بعد فقال: كيف تصوم ؟ قال: كل يوم قال: كيف تختم ؟ قال: كل ليلة قال: صم كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر قال: قلت: انى أطيق أكثر من ذلك قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة قلت: أطيق أكثر من ذلك قال: أفطر يومين وصم يوما قلت: أطيق أكثر من ذلك قال: صم أفضل الصوم صوم داود: صيام يوم وإفطار يوم واقرأ في كل سبع ليال مرة فليتنى قبلت رخصة رسول الله ﷺ وذلك أنى كبرت وضعفت فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق عليه النبي ﷺ ] وقال بعضهم: في ثلاث وفى خمس وأكثرهم على سبع

وقد رواه في الصوم والنسائي أيضا عن بندار عن غندر عن شعبة عن مغيرة والنسائي من حديث حصين كلاهما عن مجاهد به

ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبى كثير عن محمد بن عبدالرحمن مولى بنى زهرة عن أبى سلمة قال: وأحسبنى سمعت أنا من أبى سلمة عن عبد الله ابن عمرو قال: قال النبي ﷺ: [ اقرأ القرآن في شهر قلت: إنى أجد قوة قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك ] فهذا السياق ظاهره يقتضى المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد: ثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير كلهم عن ابن لهيعة عن حبان بن واسع عن أبيه عن قيس بن أبى صعصعة أنه قال للنبى ﷺ [ يا رسول الله في كم اقرأ القرآن ؟ قال: في كل خمس عشرة قال: إنى أجدني أقوى من ذلك قال: ففي كل جمعة ]

وحدثنا حجاج عن شعبة عن محمد بن ذكوان رجل من أهل الكوفة قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة وعن حجاج عن شعبة عن أيوب سمعت أبا قلابة عن أبى المهلب قال: كان أبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان وكان تميم الدارى يختمه في كل سبع وحدثنا هشيم عن الأعمش عن ابراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست وكان علقمة يختمه في كل خمس فلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمرفى ذلك جليا ولكن دلت أحاديث أخر على جواز قراءته فيما دون ذلك كما رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثنا حبان بن واسع عن أبيه عن سعد بن المنذر الأنصارى أنه قال: [ يا رسول الله اقرأ القرآن في ثلاث ؟ قال: نعم قال: فكان يقرؤه حتى توفى ] وهذا إسناد جيد قوى حسن فإن حسن بن موسى الأشيب ثقة متفق على جلالته روى له الجماعة وابن لهيعة إنما يخشى من تدليسه أوسوء حفظه وقد صرح ههنا بالسماع وهو من أئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه كلاهما من رجال مسلم والصحابى لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة وهذا على شرط كثير منهم والله أعلم

وقد رواه أبو عبيد رحمه الله عن ابن بكير عن ابن لهيعة عن حبان واسع عن أبيه عن سعد بن المنذرالأنصارى أنه قال: يا رسول الله [ أقرأ في ثلاث ؟ قال: نعم إن استطعت قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفى ]

( حديث آخر ) قال أبو عبيد: ثنا يزيد عن همام عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ [ لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث ] وهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة به وقال الترمذي: حسن صحيح

( حديث آخر ) قال أبو عبيد: ثنا يوسف بن العرق عن الطيب ابن سليمان قال: حدثتنا عمرة بنت عبدالرحمن أنها سمعت عائشة تقول: [ كان رسول الله ﷺ لايختم القرآن في أقل من ثلاث ] هذا حديث غريب جدا وفيه ضعف فإن الطيب بن سليمان هذا بصرى ضعفه الدارقطنى وليس هو بذاك المشهور والله أعلم

وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث كماهو مذهب أبى عبيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الخلف أيضا

قال أبوعبيد: ثنا يزيد عن هشام بن حسان عن حفصة بن أبى العالية عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث صحيح

وحدثنا يزيد عن سفيان عن على بن بذيمة عن أبى عبيدة قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز وحدثنا حجاج عن شعبة عن على بن بذيمة عن أبى عبيدة عن عبدال له مثله وحدثنا حجاج عن شعبة عن محمد بن ذكوان عن عبد الله بن مسعود عن أبيه أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث إسناد صحيح

فصل

وقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك منهم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه قال أبو عبيد رحمه الله: حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني ابن خصيفة عن السائب بن يزيد أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمى عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان رضي الله عنه فقال: نعم قال: قلت لأغلبن الليلة على الحجرفقمت فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمنى فنظرت فإذا عثمان بن عفان رضي الله عنه فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادى الفجرأوتر بركعة لم يصل غيرها وهذا إسناد صحيح

ثم قال: ثنا هشيم أنا منصور عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حين دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيى الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن وهذا حسن

وقال أيضا: حدثنا أبو معاوية عاصم بن سليمان عن ابن سيرين أن تميما الدارى قرأ القرآن في ركعة حدثنا حجاج عن شعبة عن حماد عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة حدثنا حجاج عن شعبة عن حماد عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت يعنى الكعبة

وحدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة طاف بالبيت أسبوعا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمئين ثم طاف أسبوعا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمثانى ثم طاف بالبيت أسبوعا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن وهذه كلها أسانيد صحيحة

ومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو عبيد رحمه الله حدثنا سعيد بن غفير عن بكر عن مضر أن سليم بن عترالتجيبى كان يقرأ القرآن في ليلة ثلاث مرات ويجامع ثلاث مرات قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله إن كنت لترضي ربك وترضي أهلك قالوا: وكيف ذلك ؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن ثم يلم بأهله ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله ثم يغتسل ويعود فيقرأحتى يختم ثم يلم بأهله ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح

( قلت ): كان سليم بن عتر تابعيا جليلا ثقة نبيلا وكان قاضيا بمصر أيام معاوية وقاصها قال أبو حاتم: روى عن أبى الدرداء وعنه ابن زحر ثم قال: حدثني محمد بن عون عن أبى صالح كاتب الليث حدثني حرملة بن عمران عن كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين وذكره ابن يونس في تاريخ مصر - وقد روى ابن أبى داود عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء وعن منصور قال: كان على الأزدى يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبى يحتبى فما يحل حبوته حتى يختم القرآن

قلت: وروى عن منصور بن زاذان أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء وكانوا يؤخرونها قليلا وعن الإمام الشافعى رحمه الله أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهررمضان ختمتين وفى غيره ختمة وعن أبى عبد الله البخاري صاحب الصحيح أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمة

ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبدالرحمن السلمى الصوفى قال سمعت الشيخ أبا عثمان المغربى يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات وهذا نادر جدا فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة والله سبحانه وتعالى أعلم

قال الشيخ أبو زكريا النووي في كتابه البيان بعد ذكر طرف مما تقدم والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له وإن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غيرخروج إلى حد الملل والهذرمة ثم قال البخاري رحمه الله:

البكاء عند قراءة القرآن

وأورد فيه من رواية الأعمش عن إبراهيم ( عن ) عبيدة عن عبد الله هو ابن مسعود - قال: [ قال رسول الله ﷺ: اقرأ علي قلت: اقرأ عليك وعليك أنزل ؟ قال: إنى أشتهى أن أسمعه من غيري قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا } قال لى: كف أو أمسك فإذا عيناه تذرفان ] وهذا من المتفق عليه كما تقدم وكما سيأتى إن شاء الله

من راءى بقراءة القران أو تأكل به أوفخر به

حدثنا محمد بن كثير أنا سفيان ثنا الأعمش عن خيثمة عن سويد بن غفلة عن على رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ يأتى في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خيرقول البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لايجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة ]

وقد روى في موضعين آخرين ومسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش به

حدثنا عبد الله بن يوسف ثنا مالك عن يحيى بن سعيد عن محمدابن إبراهيم بن الحارث التيمى عن أبى سلمة بن عبدالرحمن عن أبى سعيد الخدرى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم ويقرءون القرآن لايجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق ] ورواه في موضع آخر ومسلم أيضا والنسائي من طرق عن الزهري عن أبى سلمة به وابن ماجة من رواية محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة به

حدثنا مسدد بن مسرهد حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك عن أبى موسى رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: [ المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب والمؤمن الذي لايقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر أو خبيث - وريحها مر ]

ورواه في موضع آخرمع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به

ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التى هى من أعظم القرب كما جاء في الحديث [ واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مماخرج منه ] يعنى القرآن والمذكورون في حديث على وأبى سعيد هم الخوارج وهم الذين يجاوز إيمانهم حناجرهم وقد قال في الرواية الأخرى [ يحقرأحدكم قراءته مع قراءتهم وصلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ] ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر وإن كان بعضهم قد لايقصد ذلك إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين } وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم كما سيأتى تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى

والمنافق المشبه بالريحانة التى لها ريح ظاهر وطعمها مر هو المرائى بتلاوته كما قال تعالى { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا }

ثم قال البخاري: اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم

حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضيل عارم ثنا حماد بن زيد عن أبى عمران الجونى عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: [ اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا عنه ]

حدثنا عمرو بن على بن بحر الفلاس ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا سلام بن أبى مطيع عن أبى عمران الجونى عن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: [ اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا ]

تابعه الحارث بن عبيد وسعيد بن زيد عن أبى عمران ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان وقال غندر عن شعبة عن أبى عمران قال: سمعت جندبا قوله وقال ابن عون عن أبى عمران عن عبد الله بن الصامت عن عمر قوله وجندب أكثر وأصح

وقد رواه في مواضع أخر ومسلم كلاهما عن إسحق بن منصور عن عبدالصمد عن همام عن أبى عمران به ومسلم أيضا عن يحيى بن يحيى عن الحارث ابن عبيد أبى قدامة عن أبى عمران ورواه مسلم أيضا عن أحمد بن سعيد بن حبان بن هلال عن أبان العطار عن أبى عمران به مرفوعا وقد حكى البخاري أن أبانا وحماد بن سلمة لم يرفعاه فالله أعلم ورواه النسائي والطبراني من حديث مسلم بن ابراهيم عن هارون بن موسى الأعور النحوى عن أبى عمران به ورواه النسائي أيضا من طرق عن سفيان عن الحجاج بن قرافصة عن أبى عمران به مرفوعا وفى رواية عن هارون ابن زيد بن أبى الزرقاء عن أبيه عن سفيان عن حجاج عن أبى عمران عن جندب موقوفا ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن إسحق ابن الأزرق عن عبد الله بن عون عن أبى عمران عن عبد الله بن الصامت عن عمر قوله قال أبوبكر بن أبى داود لم يخطىء ابن عون في حديث قط إلا في هذا والصواب عن جندب ورواه الطبراني عن على بن عبدالعزيز عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: ثنا الحارث بن عبيد عن أبى عمران عن جندب مرفوعا فهذا ما تيسر من ذكرطرق هذا الحديث على سبيل الاختصار والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري من الاكثر والأصح أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعا إلى رسول الله ﷺ

ومعنى الحديث أنه عليه السلام أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته متفكرة متدبرة له لا في حال شغلها وملالها فإنه لايحصل المقصود من التلاوة بذلك كما ثبت في الحديث أنه قال عليه السلام: [ اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ] وقال: [ أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه - وفى اللفظ الآخر - أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ]

ثم قال البخاري: ثنا سليمان بن حرب ثنا شعبة عن عبدالملك ابن ميسرة عن النزال بن سبرة عن عبد الله هو ابن مسعود [ أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع من النبي ﷺ خلافها فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي ﷺ فقال: كلاكما محسن فاقرآ أكبر علمى قال فإن من قبلكم اختلفوا فيه فأهلكهم الله عزوجل ]

وأخرجه النسائي من رواية شعبة به وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه كما تقدم في النهى عن ذلك والله أعلم

وقريب من هذا ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه ثنا أبو محمد سعيد بن محمد الجرمى ثنا يحيى بن سعيد الأموى عن الأعمش عن عاصم عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية ست وثلاثون اية قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليا يناجيه فقلنا له: اختلفنا في القراءة فاحمر وجه رسول الله ﷺ فقال على: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرءوا كما علمتم وهذا آخر ما أورده البخاري رحمه الله في كتاب فضائل القرآن ولله الحمد والمنة

كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله

فصل قال أحمد: ثنا معاوية بن هشام ثنا هشام ثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبى سعيد قال: قال نبى الله ﷺ: [ يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ وارق واصعد فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شىء معه ]

وقال أحمد: ثنا أبو عبدالرحمن حدثنا حيوة حدثني بشير بن أبى عمرو الخولانى أن الوليد بن قيس التجيبنى حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدرى يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ يكون خلف من بعد الستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكون خلف يقرءون القرآن لايعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر ]

قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال: المنافق كافر به والفاجر يتأكل به والمومن يومن به

وقال أحمد: ثنا حجاج ثنا ليث حدثني يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن أبى الخطاب عن أبى سعيد أنه قال: أن رسول الله عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: [ ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس ؟ إن خير الناس رجل عمل في سبيل الله على ظهرفرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت وإن من شر الناس رجلا فاجرا يقرأ كتاب الله لا يرعوى إلىشىء منه ]

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفى ثنا الحسين بن عبد الأعلى ثنا محمد بن الحسن الهمدانى عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: [ من شغله قراءة القرآن عن دعائى أعطيته أفضل ثواب الشا كرين ]

وقال رسول الله ﷺ [ إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه ]

ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو عبيدة الحداد حدثني عبد الرحمن ابن بديل ابن ميسرة حدثني أبى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: [ إن لله اهلين من الناس قيل: من هم يا رسول الله قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصته ]

وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا محمد بن على بن شعيب السمسار ثنا خالد بن خداش ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله وولده فدعا لهم وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن عباد المكي ثنا حاتم بن اسماعيل عن شريك عن الأعمش عن يزيد بن أبان عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: [ القرآن غنى لا فقر بعده ولاغنى بدونه ]

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا سلمة بن شبيب ثنا عبدالرزاق ثنا عبد الله بن المحرر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: [ لكل شىء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن ] ابن المحرر ضعيف

وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن: ثنا ابن لهيعة ثنا بكر بن سوادة عن وفاء الخولانى عن أنس بن مالك قال: بينما نحن ( نقرأ ) فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض إذ خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: [ أنتم في خير تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله وسيأتى على الناس زمان يثقفونه كما يثقف القدح يتعجلون اجورهم ولا يتأجلونها ]

وقال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا يوسف بن موسى ثنا عبد الله بن الجهم ثنا عمرو بن أبى قيس عن عبد ربه بن عبد الله عن عمر بن نبهان عن الحسن عن أنس أن النبي ﷺ قال: [ أن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره والبيت الذي لايقرأ فيه القرآن يقل خيره ]

وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الفضل بن الصبح حدثنا أبو عبيدة حدثني يزيد الرقاشى عن أنس قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فأتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله ألا أعجبك من أبي موسى أنه قعد في بيت واجتمع إليه ناس فأنشأ فقرأ عليهم القرآن قال: قال رسول الله ﷺ: [ أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد ؟ قال نعم قال: فخرج رسول ﷺ فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد فسمع قراءة أبى موسى فقال: إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود عليه السلام ]

وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام ثنا جعفر هو ابن محمد ابن على بن الحسين عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: [ خطبنا رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هوأهله ثم قال: أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وأن أفضل الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة كانه منذر جيش قال: ثم يقول أتتكم الساعة بعثت أنا والساعة هكذا - وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى - صبحتكم الساعة ومستكم من ترك مالا لأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلى وعلي ]

وقال الإمام أحمد: ثنا عبد الوهاب - يعنى ابن عطاء - أنا أسامة ابن زيد الليثى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: [ دخل رسول الله ﷺ المسجد فإذا قوم يقرءون القرآن قال: اقرأوا القرآن وابتغوا به الله تعالى من قبل أن يأتى قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ]

وقال أحمد أيضا: ثنا خلف بن الوليد ثنا خالد عن حميد الأعرج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن وفينا العجمى والأعرابي قال فاستمع قال: فقال: [ اقرأوا فكل حسن وسيأتى قوم يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه ]

وقال أبو بكر البزار: ثنا أبو كريب محمد بن العلاء ثنا عبد الله بن الأجلح عن الأعمش عن المعلى الكندى عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع من اتبعه قاده إلى الجنة ومن تركه أو أعرض عنه - أو كلمة نحوها - ؟ دح في قفاه إلى النار وحدثنا أبو كريب ثنا عبد الله بن الأجلح عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر عن عبد الله عن النبي ﷺ نحوه

وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أحمد بن عبدالعزيز بن مروان أبو صخر حدثني بكير عن يونس عن موسى بن على عن أبيه عن يحيى بن أبى كثير اليمامى عن جابر عن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: [ من قرأ ألف آية كتب له قنطارا والقنطار مائة رطل والرطل ثنتا عشرة أوقية والأوقية ستة دنانير والدينار أربعة وعشرون قيراطا والقيراط مثل أحد ومن قرأ ثلاثمائة قال الله لملائكته: نصب عبدى كى أشهدكم يا ملائكتى أنى قد غفرت له ومن بلغه عن الله فضيلة فعمل بها إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك ]

وقال أحمد: ثنا جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: [ إن الرجل الذي ليس في جوفه شىء من القرأن كالبيت الخرب ]

قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه

وقال الطبراني: ثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثني أبى قال: وجدت في كتاب أبى بخطه عن عمران بن أبى عمران عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: [ من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة ووقاه سوء الحساب يوم القيامة وذلك أن الله عزوجل يقول { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } ] وقال الطبراني: ثنا ( عثمان بن يحيى بن صالح ) ثنا أبى ثنا ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: [ إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به ] وقال أيضا: حدثني أبو زيد القراطيسى ثنا نعيم بن حماد ثنا ( عبدة ابن سليمان ) عن سعيد أبى سعد البقال عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: [ أحسنوا الأصوات بالقرآن ] وروى أيضا بسنده إلى الضحاك عن ابن عباس مرفوعا [ أشراف أمتي حملة القرآن ]

وقال الطبراني: ثنا معاذ بن المثنى ثنا ( ابراهيم بن أبى سويد الذارع ) ثنا صالح المرى عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال: [ سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الأعمال أحب إلى الله ؟ فقال: الحال المرتحل قال: يارسول الله ما الحال المرتحل ؟ قال: صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره وفى آخره حتى يبلغ أوله ]

ذكر الدعاء المأثور لتحفيظ القرآن وطرد النسيان

قال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: ثنا الحسين بن إسحاق التسنترى ثنا هشام بن عمار ثنا محمد بن إبراهيم القرشى حدثني أبو صالح وعكرمة عن ابن عباس قال: قال على بن أبى طالب: يا رسول الله القرآن يتفلت من صدرى فقال النبي ﷺ: [ أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وينفع من علمته قال: نعم بأبى أنت وأمى قال صل ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ويس وفى الثانية بفاتحة الكتاب وبحم الدخان وفى الثالثة بفاتحة الكتاب ( وآلم ) تنزيل السجدة وفى الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل قإذا فرغت من التشهد فاحمد الله واثن عليه وصل على النبيين واستغفر للمؤمنين ثم قل اللهم ارحمنى بترك المعاصى أبدا ما أبقيتنى وارحمنى من أن أتكلف ما لا يعنينى وارزقنى حسن النظر فيما يرضيك عنى اللهم بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام والعزة التى لا ترام أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبى حب كتابك كما علمتنى وارزقنى أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عنى وأسألك أن تنور بالكتاب بصرى وتطلق به لسانى وتفرج به عن قلبى وتشرح به صدرى وتستعمل به بدنى وتقوينى على ذلك وتعيننى عليه فإنه لايعيننى على الخيرغيرك ولا موفق له إلا أنت فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تحفظه بإذن الله وما اخطأ مؤمنا قط ] فأتى النبي ﷺ بعد ذلك بسبع جمع فأخبره بحفظ القرآن والحديث فقال النبي ﷺ: [ مؤمن ورب الكعبة علم أبا الحسن علم أبا الحسن ] هذا سياق الطبراني

وقال أبوعيسى الترمذي في كتاب الدعوات من جامعه حدثنا احمد ابن الحسن ثنا سليمان بن عبدالرحمن الدمشقى ثنا الوليد بن مسلم ثنا ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح وعكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على بن أبى طالب فقال: بأبى أنت وأمى تفلت هذا القرآن من صدرى فما أجدنى أقدر عليه ؟ فقال له رسول الله ﷺ: [ يا أبا الحسن أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن وتنفع بهن من علمته ويثبت ما تعلمت في صدرك قال: أجل يا رسول الله فعلمنى قال - إذا كانت ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة والدعاء فيها مستجاب وقال أخى يعقوب لبنيه { سوف أستغفر لكم ربي } يقول حتى تأتى ليلة الجمعة فإن لم تستطع فقم في وسطها فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس وفى الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان وفى الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب وألم تنزيل السجدة وفى الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأحسن الثناء على الله وصل على وأحسن وعلى سائر النبيين واستغفر للمؤمنين والمؤمنات ولاخوانك الذين سبقوك بالإيمان ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمنى بترك المعاصى أبدا ما أبقيتنى وارحمنى أن أتكلف ما لايعنينى وارزقنى حسن النظر فيما يرضيك عنى اللهم بديع السماوات والأرض ذا الجلال والاكرام والعزة التى لاترام أسألك يا الله يا رحمان بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبى حفظ كتابك كما علمتنى وارزقنى أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عنى اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التى لا ترام أسألك يا الله يا رحمان بجلالك ونور وجهك أن تنور بكتابك بصرى وأن تطلق به لسانى وأن تفرج به عن قلبى وأن تشرح به صدرى وأن تغسل به بدنى فإنه لايعيننى على الخير غيرك ولا يؤتيه الا أنت ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم يا أبا الحسن تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تجاب بإذن الله والذي بعثنى بالحق ما أخطأ مؤمنا قط ] قال ابن عباس: [ فوالله ما لبث على إلا خمسا أو سبعا حتى جاء رسول الله ﷺ في ذلك المجلس فقال: يا رسول الله والله إنى كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن: فإذا قرأتهن على نفسى تفلتن وأنا أتعلم اليوم أربعين آية أو نحوها فإذا قرأتها على نفسى فكأنما كتاب الله بين عينى ولقد كنت أسمع الحديث فإذا قرأته تفلت وأنا اليوم أسمع الأحاديث فإذا تحدثت بها لم أحزم منها حرفا فقال له رسول الله ﷺ عند ذلك: مؤمن ورب الكعبة أبا الحسن ] ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد ابن مسلم كذا قال وقد تقدم من غير طريق ورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد ثم قال: على شرط الشيخين ولاشك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج فالله أعلم فإنه من البين غرابته بل نكارته والله أعلم

وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع: ثنا العمرى عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: [ مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها وإن تركها ذهبت ]

ورواه أيضا عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد عن عبد الله العمر به ورواه أيضا عن عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بنحوه

وقال البزار: ثنا محمد بن معمر ثنا حميد بن حماد بن أبى الخوار ثنا مسعر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: سئل رسول الله: أي الناس أحسن قراءة قال: [ من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله تعالى ]

قال الإمام أحمد: ثنا عبدالرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: [ يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ]

وقال أحمد: ثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثني حيى بن عبد الله عن أبى عبدالرحمن عن عبد الله بن عمرو قال: [ جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنى أقرأ القرآن فلا أجد قلبى يعقل عليه فقال رسول الله ﷺ: إن قلبك حشى الإيمان وإن العبد يعطى الإيمان قبل القرآن ]

وبهذا الإسناد أن رجلا جاء بابن له فقال: [ يا رسول الله إن ابنى يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل فقال رسول الله ﷺ: ما تنقم إن ابنك يظل ذاكرا ويبيت سالما ]

وقال أحمد: ثنا موسى بن داود ثنا ابن لهيعة عن حيى عن أبى عبدالرحمن عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: [ الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعنى فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعنى فيه قال فيشفعان ]

وقال أحمد: ثنا حسن ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: [ أكثر منافقى أمتي قراؤها ]

وقال أحمد: ثنا وكيع حدثني همام عن قتادة عن يزيد بن عبد الله ابن الشخير عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: [ من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه ] ورواه أيضا عن غندر عن شعبة عن قتادة به وقال الترمذي: حسن صحيح

وقال أبو القاسم الطبراني: ثنا محمد بن إسحاق بن راهويه ثنا أبى ثنا عيسى بن يونس ويحيى بن أبى حجاج التميمى عن اسماعيل بن رافع عن اسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: [ من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه غير أنه لايوحى إليه ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم ما صغرالله وصغرما عظم الله وليس ينبغى لحامل القرآن أن يسفه فيمن يسفه أو يغضب فيمن يغضب أو يحتد فيمن يحتد ولكن يعفو ويصفح لفضل القرآن ]

وقال الإمام أحمد: ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم م ثنا عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: [ من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة ]

وقال البزار: حدثنا محمد بن حرب ثنا يحيى بن المتوكل ثنا عنبسة بن مهران عن الزهري عن شعبة وأبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: [ مراء في القرآن كفر ] ثم قال: عنبسة هذا ليس بالقوى وعنده فيه إسناد آخر

وقال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو بكر بن أبى إدريس ثنا المقبرى عن جده عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: [ أعربوا القرآن والتمسواغرائبه ]

وقال الطبراني: ثنا موسى بن خازم الأصبهانى ثنا محمد بن بكير الحضرمى ثنا اسماعيل بن عياش عن يحيى بن الحارث الذمارى عن القاسم أبى عبد الرحمن عن فضالة بن عبيد وتميم الدارى عن النبي ﷺ قال: [ من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطار والقنطار خير من الدنيا وما فيها فإذا كان يوم القيامة يقول ربك تعالى: اقرأ وارق بكل آية درجة حتى ينتهى إلى آخر آية معه يقول ربك اقبض فيقول العبد بيده يارب أنت أعلم ( فيقول ) بهذه الخلد وبهذه النعيم ]


آخر فضائل القرآن للحافظ العلامة الرحلة الجهبذ مفيد الطالبين الشيخ عماد الدين إسماعيل الشهير بابن كثير كثر الله فوائده

 
=============

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق